BaBiNa
04-07-2006, 01:01 AM
صفحات انتزعتها من مذكرتي الأنيقة .. محملة بحبر الكلمات .. وعبق الذكريات
وبين السطور كانت لي نبضات فلأتركم معها
---------- & --------- & --------- & --------
النبضـــــــــة الأولى : رهبــــــــة المكان وذكرى الماضي
عقارب ساعتي تشير إلى السابعة والنصف صباحاً
ودقاته الرتيبة .. باتت عاجزة عن مجاراة دقات قلبي المتسارعة!!
المكان بارد .. الأناس قليلون .. الموظفون يتوافدون .. والبعض منهم يستعد للرحيل
بعد انتهاء مناوبته المسائية
وأنا بمعطفي الأبيض .. أقف منتظرة عند مدخل قسم الطواريء
ومشاعر متضاربة بين خوف وحماس .. وبين رهبة ونشاط تضطرم وتشتعل في
أعماق ذاتي
لتتركني أسيرة مقيدة بتلك الأحاسيس التي تجتاحني مجتمعة في ذات الوقت
فهذا يومي الأول في التدرب بقسم الطواريء .. وقد اتيت مبكراً لأضمن وجودي في
هذا القسم,فكوني في المستوى الرابع قد يشكك رئيس القسم في قبولي
لنقص في خبراتي .. او لعجز في تعاملي مع الحالات الطارئة مقارنة مع أقارني
الذين يسبقوني في سنوات الدراسة .. ولكني لا أنقص عنهم في حماسي
ونشاطي ورغبتي الصادقة في خوض هذه التجربة ومساعدة
حجاج بيت الله الحرام وضيوف الرحمن
أقبل رئيس القسم .. فوجدني منتظرة .. تفاجأ ولاحت منه التفاتة إلى عقارب
ساعته .. ومن ثم نظر إلي مبتسماً
- ماشاء الله مبكرة يا دكتورة .. هل تريدين التدرب في قسم الطواريء أم تصعدين لقسم الجراحة؟
- إن كان هناك مكان يسعني في هذا القسم ... فهذا جُلَ ما أتمناه
- اليوم هناك طبيب اعتذر عن الحضور .. ربما يمكنك الانضمام إلينا
في قسم الطواريء!!!
عند انتهاء رئيس القسم من جملته .. امتلأت حنايا قلبي بشتى مشاعر الغبطة
والبهجة .. وكأن قبوله لي نارأ أضرمت بداخلي شعلة من النشاط والحماس
المتوقدين .. شكرته بحرارة وقوة .. وهو بدوره قد لمس مدى تحمسي ورغبتي في
التدرب .. لذا اعتبرت هذا اليوم تحدياً لي لأثبت مدى قدرتي وكفاءتي في العمل
بقسم الطواريء
دخلت إلى القسم ... ومازالت الرهبة تتلاعب بأحاسيس الحماس والتحدي .. كانت
نظرات الجميع مصوبة نحوي .. فشخص جديد قد اقتحم عالمهم .. وبات يبحث عن دور
له في هذا العالم الغريب عليه
كان القسم هادئأ نوعاً ما في الصباح الباكر .. أطباء يرتشفون سوية قهوة الصباح
ممرضات يتبادلن الأحاديث .. ضباط الأمن واقفين بهدوء في اماكنهم ... وكأنه الهدوء
الذي يسبق العاصفة
حتى اتت تلك الحالات المصابة والناتجة عن حادث مروري لحافلة الحجاج!!
وتم نقل المصابين من الأسرة الخارجية بقسم الطواريء إلى غرقة الحالات الحرجة
وبدأ توافد الأطباء من كل صوب على تلك الغرفة
بكاء ونهيج في المكان
دماء حمراء لطخت الأسرة البيضاء
نساء مذعورات
رجال مضطربون
مصابون .. في حالات إغماء
وآخرون ينازعون بين الحياة والموت
ونداءات متوالية من الأطباء .. الممرضات .. المرافقون .. وحتى المايكروفون!!
أطباء يحملون .. يشقون .. يفحصون .. يُرَكِبون أجهزة
ممرضات يهرولن .. يحضرن الأدوات .. يجهزن المعدات
وضباط امن يحاولون منع دخول بعض المرافقين
صراخ .. تأوهات .. بكاء .. نداءات
دموع .. امتزجت بدماء
وأنــــــا ... ماذا أفعل هنا ؟ .. لما أقف هكذا ؟؟
عند هذه اللحظة .. توقف بي الزمان .. ليعديني إلى أروقة الذكرى .. إلى آهات
الماضي .. إلى ذكريات الدمع والألم
فكل هذه المناظر والأصوات ... وفي هذا المكان بالذات .. قد عايشتها لحظة بلحظة
في احدى أيام حياتي ..!!
فمنذ أربع سنوات .. كنت اقف بذات المكان ..!!
بذات الأحداث ..!!
أمام ذاك السرير الأبيض .. وقد صُبغت أنسجته بزخات من لون أحمر قاني ..!!
وتمدد عليه جسد مثقل بالإصابات
رأس معصوب بالضمادات
يئن بصمت .. وبداخله تتردد الآهــــــــــات
إنه جســــــــد ..... عمتي الغالية!!
ويديها الواهنتين .. تضغط بشدة على يدي
متوسلة بصمت .. إجابة عن تساؤلاتها
علها تجد لدي .. ما تكبح به جماح رهبتها وخوفها
فروحها الهائمة تبحث عن شريك الحياة
وعيناها الزائغتين , تنشد نظرة لرفيق الدرب
وصوتها المتأوه , يتساءل عن والد صغيرتيها
(فقد كانا معاً .. في تلك السيارة قبل ساعة من الزمان!!)
ودمعات وجلة , اختلطت بالدماء .. انسابت من مقلتيها
لتشعل بذاتي مكامن الأنين .. ولتستجدي دمعات عيني
فتسرقني التفاتة إلى سرير مقارب لنا
جسد مجثى بصمت .. وقد غشاه السكون من كل جانب
بقعة خالية من أي طبيب .. ممرضة .. أجهزة .. محاليل!!
فقــــــط ... جسد احتل تلك البقعة الصامتة
فجذبتني نظرة متمعنة اخترقت غشاء ترقرق بعيناي .. لأدرك أن ذاك الجسد الذي
فارقته روح الحياة
وأغمضت عيناه للأبد .. وبات خاوياً , صامتاً , مستوحشاً في هذا الوجود
هو جسد زوج عمتي !!
وارحمتــــــــــــــــــاه ... يا رب العباد
ماذا أقول لها ؟؟ ... ماعساه لساني ينطق .. وهي تستجدي منه الكلمات؟؟
حينهــــــا
تمازجت الأحاسيس
تاهت المشاعر
تضاربت الأصوات
تلاحقت الصور الماضية .. وتسارعت اللحظات الرائعة في حياة عمتي كومضات أمام
بصري أحيتها ذاكرتي المشتتة!!
زفافها .. بيتها .. طفلتيها .. شبابها الغض .. ترملها ويتم طفلتيها!!
فأُثيرت بداخلي معاني الألم .. والبؤس .. والشفقة!!
ألم .. اعتصر الحنايا
بؤس .. حطم معنى الصمود
شفقة .. استجدت منابع الدمع .. اخترقت مواطن البؤس .. لتنساب دمعة هاربة من
جبروت حاولت اصطناعه
ومن جمود احتميت خلفه لوهلة
ولكن إحساس قلبي الغض أقوى من أي جبروت وصمود ليسا أبداً طبعي
فهذه حقيقتي .. وهذه ذاتي!!
- دكتـــــورة ... نحتاج مساعدتك هنا
بهذا النداء استفقت من غيبوبتي اللحظية التي تهت بين دروبها لثواني
معدودة لم أدركها!!
عندها عدت لواقعي .. فأسرعت إلى السرير .. وكنت عضوة مساعدة في الفريق
الذي أسعف المرأة الممددة على السرير .. والحمدلله الجميع نجوا من ذلك الحادث
عندها إتكأت في إحدى الأركان
فقد دب الاستقرار بين الأرجاء
والكل مبتهج وراضي
فكرت لوهلة بتلك الخواطر والذكريات الماضية التي اعترتني أنذاك
فهربت منها بقوة .. ومن ثم ابتسمت .. خارجة من غرفة الحالات الحرجة
ودوي الباب يُغلق خلفي .. فقد أغلقت على ذكرياتي وماضيي واحاسيسي
الشخصية مع اغلاقة ذاك الباب
فقد أدركت .. أنه لوقت لأحاسيسي ولا مكان لمشاعري الشخصية
في هذا المكان .. إن أردت الاستمرار!!!
--------- & -------- & -------- & ---------
وللنبضات تتمه
فأنتظروها
وبين السطور كانت لي نبضات فلأتركم معها
---------- & --------- & --------- & --------
النبضـــــــــة الأولى : رهبــــــــة المكان وذكرى الماضي
عقارب ساعتي تشير إلى السابعة والنصف صباحاً
ودقاته الرتيبة .. باتت عاجزة عن مجاراة دقات قلبي المتسارعة!!
المكان بارد .. الأناس قليلون .. الموظفون يتوافدون .. والبعض منهم يستعد للرحيل
بعد انتهاء مناوبته المسائية
وأنا بمعطفي الأبيض .. أقف منتظرة عند مدخل قسم الطواريء
ومشاعر متضاربة بين خوف وحماس .. وبين رهبة ونشاط تضطرم وتشتعل في
أعماق ذاتي
لتتركني أسيرة مقيدة بتلك الأحاسيس التي تجتاحني مجتمعة في ذات الوقت
فهذا يومي الأول في التدرب بقسم الطواريء .. وقد اتيت مبكراً لأضمن وجودي في
هذا القسم,فكوني في المستوى الرابع قد يشكك رئيس القسم في قبولي
لنقص في خبراتي .. او لعجز في تعاملي مع الحالات الطارئة مقارنة مع أقارني
الذين يسبقوني في سنوات الدراسة .. ولكني لا أنقص عنهم في حماسي
ونشاطي ورغبتي الصادقة في خوض هذه التجربة ومساعدة
حجاج بيت الله الحرام وضيوف الرحمن
أقبل رئيس القسم .. فوجدني منتظرة .. تفاجأ ولاحت منه التفاتة إلى عقارب
ساعته .. ومن ثم نظر إلي مبتسماً
- ماشاء الله مبكرة يا دكتورة .. هل تريدين التدرب في قسم الطواريء أم تصعدين لقسم الجراحة؟
- إن كان هناك مكان يسعني في هذا القسم ... فهذا جُلَ ما أتمناه
- اليوم هناك طبيب اعتذر عن الحضور .. ربما يمكنك الانضمام إلينا
في قسم الطواريء!!!
عند انتهاء رئيس القسم من جملته .. امتلأت حنايا قلبي بشتى مشاعر الغبطة
والبهجة .. وكأن قبوله لي نارأ أضرمت بداخلي شعلة من النشاط والحماس
المتوقدين .. شكرته بحرارة وقوة .. وهو بدوره قد لمس مدى تحمسي ورغبتي في
التدرب .. لذا اعتبرت هذا اليوم تحدياً لي لأثبت مدى قدرتي وكفاءتي في العمل
بقسم الطواريء
دخلت إلى القسم ... ومازالت الرهبة تتلاعب بأحاسيس الحماس والتحدي .. كانت
نظرات الجميع مصوبة نحوي .. فشخص جديد قد اقتحم عالمهم .. وبات يبحث عن دور
له في هذا العالم الغريب عليه
كان القسم هادئأ نوعاً ما في الصباح الباكر .. أطباء يرتشفون سوية قهوة الصباح
ممرضات يتبادلن الأحاديث .. ضباط الأمن واقفين بهدوء في اماكنهم ... وكأنه الهدوء
الذي يسبق العاصفة
حتى اتت تلك الحالات المصابة والناتجة عن حادث مروري لحافلة الحجاج!!
وتم نقل المصابين من الأسرة الخارجية بقسم الطواريء إلى غرقة الحالات الحرجة
وبدأ توافد الأطباء من كل صوب على تلك الغرفة
بكاء ونهيج في المكان
دماء حمراء لطخت الأسرة البيضاء
نساء مذعورات
رجال مضطربون
مصابون .. في حالات إغماء
وآخرون ينازعون بين الحياة والموت
ونداءات متوالية من الأطباء .. الممرضات .. المرافقون .. وحتى المايكروفون!!
أطباء يحملون .. يشقون .. يفحصون .. يُرَكِبون أجهزة
ممرضات يهرولن .. يحضرن الأدوات .. يجهزن المعدات
وضباط امن يحاولون منع دخول بعض المرافقين
صراخ .. تأوهات .. بكاء .. نداءات
دموع .. امتزجت بدماء
وأنــــــا ... ماذا أفعل هنا ؟ .. لما أقف هكذا ؟؟
عند هذه اللحظة .. توقف بي الزمان .. ليعديني إلى أروقة الذكرى .. إلى آهات
الماضي .. إلى ذكريات الدمع والألم
فكل هذه المناظر والأصوات ... وفي هذا المكان بالذات .. قد عايشتها لحظة بلحظة
في احدى أيام حياتي ..!!
فمنذ أربع سنوات .. كنت اقف بذات المكان ..!!
بذات الأحداث ..!!
أمام ذاك السرير الأبيض .. وقد صُبغت أنسجته بزخات من لون أحمر قاني ..!!
وتمدد عليه جسد مثقل بالإصابات
رأس معصوب بالضمادات
يئن بصمت .. وبداخله تتردد الآهــــــــــات
إنه جســــــــد ..... عمتي الغالية!!
ويديها الواهنتين .. تضغط بشدة على يدي
متوسلة بصمت .. إجابة عن تساؤلاتها
علها تجد لدي .. ما تكبح به جماح رهبتها وخوفها
فروحها الهائمة تبحث عن شريك الحياة
وعيناها الزائغتين , تنشد نظرة لرفيق الدرب
وصوتها المتأوه , يتساءل عن والد صغيرتيها
(فقد كانا معاً .. في تلك السيارة قبل ساعة من الزمان!!)
ودمعات وجلة , اختلطت بالدماء .. انسابت من مقلتيها
لتشعل بذاتي مكامن الأنين .. ولتستجدي دمعات عيني
فتسرقني التفاتة إلى سرير مقارب لنا
جسد مجثى بصمت .. وقد غشاه السكون من كل جانب
بقعة خالية من أي طبيب .. ممرضة .. أجهزة .. محاليل!!
فقــــــط ... جسد احتل تلك البقعة الصامتة
فجذبتني نظرة متمعنة اخترقت غشاء ترقرق بعيناي .. لأدرك أن ذاك الجسد الذي
فارقته روح الحياة
وأغمضت عيناه للأبد .. وبات خاوياً , صامتاً , مستوحشاً في هذا الوجود
هو جسد زوج عمتي !!
وارحمتــــــــــــــــــاه ... يا رب العباد
ماذا أقول لها ؟؟ ... ماعساه لساني ينطق .. وهي تستجدي منه الكلمات؟؟
حينهــــــا
تمازجت الأحاسيس
تاهت المشاعر
تضاربت الأصوات
تلاحقت الصور الماضية .. وتسارعت اللحظات الرائعة في حياة عمتي كومضات أمام
بصري أحيتها ذاكرتي المشتتة!!
زفافها .. بيتها .. طفلتيها .. شبابها الغض .. ترملها ويتم طفلتيها!!
فأُثيرت بداخلي معاني الألم .. والبؤس .. والشفقة!!
ألم .. اعتصر الحنايا
بؤس .. حطم معنى الصمود
شفقة .. استجدت منابع الدمع .. اخترقت مواطن البؤس .. لتنساب دمعة هاربة من
جبروت حاولت اصطناعه
ومن جمود احتميت خلفه لوهلة
ولكن إحساس قلبي الغض أقوى من أي جبروت وصمود ليسا أبداً طبعي
فهذه حقيقتي .. وهذه ذاتي!!
- دكتـــــورة ... نحتاج مساعدتك هنا
بهذا النداء استفقت من غيبوبتي اللحظية التي تهت بين دروبها لثواني
معدودة لم أدركها!!
عندها عدت لواقعي .. فأسرعت إلى السرير .. وكنت عضوة مساعدة في الفريق
الذي أسعف المرأة الممددة على السرير .. والحمدلله الجميع نجوا من ذلك الحادث
عندها إتكأت في إحدى الأركان
فقد دب الاستقرار بين الأرجاء
والكل مبتهج وراضي
فكرت لوهلة بتلك الخواطر والذكريات الماضية التي اعترتني أنذاك
فهربت منها بقوة .. ومن ثم ابتسمت .. خارجة من غرفة الحالات الحرجة
ودوي الباب يُغلق خلفي .. فقد أغلقت على ذكرياتي وماضيي واحاسيسي
الشخصية مع اغلاقة ذاك الباب
فقد أدركت .. أنه لوقت لأحاسيسي ولا مكان لمشاعري الشخصية
في هذا المكان .. إن أردت الاستمرار!!!
--------- & -------- & -------- & ---------
وللنبضات تتمه
فأنتظروها