Cardiac Arrest
11-20-2006, 11:18 PM
هاني المعلم*
أثارت المقالات التي أكتبها - على قلتها - ردود أفعال مختلفة. وهذا أمر وارد وطبيعي لأي فعل أو عمل إنساني فضلاً عن أن تكون مجموعة من الأفكار تعرض أمام القراء الكرام. كتب لي أحد الطلاب متذمراً بعد المقال الأخير (الأول على كندا) والذي نشر هنا، عدد 2220، بتاريخ 8/10/1427، 28/ 10/2006.
(ليس من عاداتنا كطلاب منهمكين في دراسة الطب وعلومه تحت مظلة أنظمة عقيمة أن نجد أوقاتا كافية لمتابعة مقالات الصحف والمجلات وإن كان هناك عدد منها مفيد أو يهدف إلى الإصلاح والتطوير، لا سيما إذا علمنا أن معظم هذه المقالات لن تتجاوز الشبكيات في أعين المسؤولين وصناع القرار رغم أن بعضهم يمضون أكثر أوقاتهم في قراءة الصحف وترصد ما يمسهم فيها والشواهد على هذا الكلام كثيرة ولعل من أبرز الأمثلة التي تهم طلاب العلوم الصحية مشكلة مكافآت الامتياز للخريجين الجدد، ومبادرة إحدى كليات الطب السعودية إلى تنفيذ قرار تخفيض مكافآت الامتياز قبل بقية الكليات وكأن تخفيض هذه المكافآت هو ضرورة ملحة للحفاظ على استقرار الاقتصاد الوطني بالإضافة إلى مشكلة انقطاع المكافآت عن إخواننا الطلاب وأخواتنا الطالبات بإحدى الجامعات السعودية على اختلاف تخصصاتهم لمدة أربعة أشهر متواصلة حتى الآن.
إلا أنه وفي الآونة الأخيرة بدأت تنتشر بين الطلاب والطالبات مقالات (لاستشاري في أمراض الروماتيزم) تصف حال التعليم الطبي في بلادنا وكأنها تعبر عن أفكارهم وما يدور في عقولهم. وتدريجيا، ازداد الاهتمام بالمواضيع المطروحة بين ثنايا أسطر هذا الكاتب الذي أجاد في وصف المشاعر الطلابية ونقلها إلى الرأي العام بعد أن ألجمها اليأس وفقدان الأمل تارة، والخوف أو الحرص على تجنب المشاكل تارة أخرى.
والآن، كثيرا ما تجد في المنتديات والتجمعات الطلابية من ينصحك بقراءة هذا المقال أو ذاك، وياله من متنفس قوي المفعول لهمومك وأحزانك كطالب أو طالبة في كلية صحية عندما تعود بخفي حنين من محاولة لتوفير دعم مادي لبحث علمي أو مشروع طلابي، وليس من الغريب علينا في ظل هذه الظروف أن نرسل هذه المقالات ضمن رسائل إلكترونية إلى أصدقائنا في مختلف الكليات الصحية في المملكة لعلها تسهم في تفريغ الشحنات السلبية من أدمغتهم.
ولكن استرسال المقالات في كشف عيوب الأنظمة التعليمية الطبية وإبراز أوجه القصور والضعف فيها قد فاق كل توقعاتنا نحن طلاب وطالبات العلوم الصحية ممن كنا نحسب أنفسنا في وضع نحسد عليه، أما الآن ومع ازدياد إدراكنا بأن الصدع أعمق مما نتصور، فقد بدأ اليأس يدب إلى قلوبنا واهتزت ثقتنا في أنفسنا ومن ثم أصبحنا ننظر إلى أحلامنا بمنظار من يخشى تنكر المستقبل له وعبسه في وجهه وكثيرا ما نتساءل: إن كنا قد تعلمنا في ظل أنظمة بهذا المستوى، فما هي فرصتنا لنكون عاملين أكفاء في المجال الصحي؟ وهل سيكون لهذه المقالات دور في زعزعة ثقة المجتمع بنا كأطباء سعوديين متخرجين في جامعات سعودية؟ مع العلم بأن الثقة في الكفاءات الطبية الوطنية ليست بالمستوى المطلوب وقد يستثنى من ذلك حملة الشهادات الغربية أو الشرقية.
وفي حال مقارنة أنظمتنا التعليمية الطبية بالأنظمة العالمية - بعد أن عرفنا أوضاعنا الحقيقية - نحن نتساءل: كيف ستستقبلنا الجامعات العالمية في حال توافرت لنا فرص إكمال دراساتنا في الخارج بعد تخرجنا؟ وكيف سيقيمون مستوياتنا؟ وإلام سينظرون؟ إلى سيرنا الذاتية الخاوية من الأبحاث ذات المعايير العلمية العالمية، أم إلى ذكريات رسوب وإعادة سنوات في ماضي بعضنا الأسود،أم إلى مهاراتنا السريرية المنقوصة، أم إلى درجاتنا المنحطة بحجة أنه إذا حصل الطالب على امتياز" فماذا بقي لي كأستاذ جامعي؟" على حد تعبير أحد الأساتذة.
قد نُكئ الجرح مرة أخرى، والسبب أنت يا سيدي الاستشاري، فهلا تخبرنا ماذا علينا أن نفعل في هذه الظروف؟ وكيف نخرج من الأزمة بأقل الخسائر الممكنة؟)
ما يجب أن أوضحه بداية هو أن المقالات الصحفية-فيما أفهمه- تهدف إلى لفت الانتباه إلى قضايا معينة. إنها ليست بحثاً علميا مفصلاً تقدم دراسات تأصيلية فيها نتائج وتوصيات! كما أنها لا تقدم وصفاً دقيقاً كاملاً لأية مشكلة ولا تعطيك حلاً كيميائياً مجرباً لأخرى! فعلينا ألا نحمّلها مالا تحتمله!
ثم إن الأسلوب الذي أنتهجه أظن أن فيه أثراً للخلفية التعليمية الطبية عندي، وقد يشترك معي في هذا كتاب كثيرون - أطباء وغيرهم-. هذا الأسلوب قائم غالباً على الوصف التشخيصي للمشكلة، وذكر أسبابها وملامحها وأعراضها (انظر كمثال مقال: رؤية لتطوير التعليم الطبي في وطننا الغالي، نشر هنا في عدد رقم 2038 بتاريخ 1/4/1427 ، 29/4/2006). إننا نقوم كأطباء بدراسة جميع أعراض المريض وإلحاقها بنتائج الفحص السريري ثم الفحص المختبري.. لنصل في النهاية إلى وضع نظرية عامة شاملة تحاول تفسير كل شيء تقريباً. إننا نريد الإجابة عن عدة أسئلة منها: ما هو هذا المرض؟ وهل هو مرض واحد أو عدة أمراض؟ إذ إنه وبدون التشخيص الصحيح المبني على علامات واضحة ودلالات ظاهرة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نعالج معالجة صحيحة!
أعلم أن صحفنا وكتبنا وثقافتنا - بشكل عام - مليئة بالأساليب التشخيصية- كل على طريقته- والبكائية في كثير من الأحيان. ولكن عزائي الوحيد أني أكتب في الغالب في قضايا التعليم الطبي التي قل من يشير إليها في صحافتنا المحلية. والهدف هو لفت الانتباه إلى ما نعانيه في هذا المجال لنشترك جميعا في رؤية عامة لهذه المعضلات ونحن منطلقون في قطار المعالجة الواعية والمستنيرة.
والذي حدث مع صديقي الطالب هو جنوح عاطفي مع الإيغال الذي وجده في وصف مشاكلنا التعليمية، أدى به- وهذا متوقع في ضوء فداحة ما بنا- إلى الشعور بالإحباط والتشكيك في مخرجات نظام التعليم هذا.
إنه وبرغم كبر وتعدد هذه المشاكل فإن الحل لا يكون هكذا بثقافة الإقصاء والحكم بالفشل المطلق والقضاء النهائي على هذه الأنظمة. هل يعقل مثلاً أن يأتينا مريض شُخص على أنه مصاب بجلطة في القلب، وهو في الأساس يعاني من الضغط والسكر وبدايات فشل كلوي، وأثناء تشخيص الجلطة تم اكتشاف التهاب رئوي، فهل نقول: اقتلوا المريض!! لننتظر غيره يكون أكثر (تحضّراً)!!
إن علينا أن نفكر بإيجابية دائماً، وأن ينظر كل منا - سواء أكان طالبا أو معلماً أو مسؤولاً - إلى الدور الذي يجب أن يقوم به، مهما كان هذا الدور صغيرا. وبمثل هذه الروح المندفعة برشد وحكمة نرتقي بحسنا الحضاري ونبتعد عن حالة القابلية للقعود والتخلف!
إن أحد أمراضنا الثقافية المزمنة أننا لا نحسن ولا نجيد ثقافة النقد، ولا كيف نتعامل مع من ينتقدنا (المفترض أن يكون النقد بناء لا هداماً ولأغراض شخصية)، وننسى أو نتناسى أن المسيرة التعليمية والثقافية بل والحضارية سواء أكان على مستوى الأشخاص أم على مستوى المؤسسات والمجتمعات يجب أن تستمر مستفيدة بما حصل من نقد في تعديل هذا المسار أو حتى تغيير الوجهة لا أن تتوقف تماماً وتنشغل في ردود أفعال ناشئة عن هذا النقد والتي غالباً ما تتصف بالسذاجة! ولا أظن أن صديقي الطالب يريدني أن أوغل في كتابات إطرائية مبالغ فيها عن حالنا التعليمي ولا أن أزيد بأساليب تبريرية تعفي الجميع من مسؤولياتهم وتلتمس لهم الأعذار!
إن بلادنا ولله الحمد قد خطت خطوات جبارة في مجال العلم والمعرفة، وإن الإنفاق الحكومي على التعليم بشكل عام وعلى العالي منه بشكل خاص ضخم وهائل. لذا فإن الأمر المستغرب حقيقة هو ألا تتواكب مسيرة التعليم التطويرية مع هذا الإنفاق الهائل وهذه الرغبة الصادقة عند القيادة العليا لهذه البلاد - رعاها الله- في التطوير والنماء. لأجل هذا أكتب- ويكتب غيري كثيرون- حباً في تراب هذا البلد، ورغبة أكيدة في التطوير(الجامعات السعودية-عالميا- أفضل من الجامعات في جيبوتي والصومال).
صديقي الطالب: قد بالغت في جنوحك العاطفي، وقد أجحفت في حق نفسك وحق زملائك من طلاب الطب. أقول دائماً: إن طالب الطب السعودي - والعربي بشكل عام - هو طالب مكافح، مجاهد!! لأنه ورغم كل المعضلات التعليمية إلا أنه يثبت جدارته وقدرته على أن يتعلم ويتدرب ويرتقي بنفسه. عزيزي: إذا اختلط الأمر على الصائغ وهو يشكل قطعاً ذهبية، هل يغيّر هذا من حقيقة أن الذهب يظل ذهباً دائماً.
* استشاري في أمراض الروماتيزم
http://www.alwatan.com.sa/daily/2006-11-20/writers/writers03.html
أثارت المقالات التي أكتبها - على قلتها - ردود أفعال مختلفة. وهذا أمر وارد وطبيعي لأي فعل أو عمل إنساني فضلاً عن أن تكون مجموعة من الأفكار تعرض أمام القراء الكرام. كتب لي أحد الطلاب متذمراً بعد المقال الأخير (الأول على كندا) والذي نشر هنا، عدد 2220، بتاريخ 8/10/1427، 28/ 10/2006.
(ليس من عاداتنا كطلاب منهمكين في دراسة الطب وعلومه تحت مظلة أنظمة عقيمة أن نجد أوقاتا كافية لمتابعة مقالات الصحف والمجلات وإن كان هناك عدد منها مفيد أو يهدف إلى الإصلاح والتطوير، لا سيما إذا علمنا أن معظم هذه المقالات لن تتجاوز الشبكيات في أعين المسؤولين وصناع القرار رغم أن بعضهم يمضون أكثر أوقاتهم في قراءة الصحف وترصد ما يمسهم فيها والشواهد على هذا الكلام كثيرة ولعل من أبرز الأمثلة التي تهم طلاب العلوم الصحية مشكلة مكافآت الامتياز للخريجين الجدد، ومبادرة إحدى كليات الطب السعودية إلى تنفيذ قرار تخفيض مكافآت الامتياز قبل بقية الكليات وكأن تخفيض هذه المكافآت هو ضرورة ملحة للحفاظ على استقرار الاقتصاد الوطني بالإضافة إلى مشكلة انقطاع المكافآت عن إخواننا الطلاب وأخواتنا الطالبات بإحدى الجامعات السعودية على اختلاف تخصصاتهم لمدة أربعة أشهر متواصلة حتى الآن.
إلا أنه وفي الآونة الأخيرة بدأت تنتشر بين الطلاب والطالبات مقالات (لاستشاري في أمراض الروماتيزم) تصف حال التعليم الطبي في بلادنا وكأنها تعبر عن أفكارهم وما يدور في عقولهم. وتدريجيا، ازداد الاهتمام بالمواضيع المطروحة بين ثنايا أسطر هذا الكاتب الذي أجاد في وصف المشاعر الطلابية ونقلها إلى الرأي العام بعد أن ألجمها اليأس وفقدان الأمل تارة، والخوف أو الحرص على تجنب المشاكل تارة أخرى.
والآن، كثيرا ما تجد في المنتديات والتجمعات الطلابية من ينصحك بقراءة هذا المقال أو ذاك، وياله من متنفس قوي المفعول لهمومك وأحزانك كطالب أو طالبة في كلية صحية عندما تعود بخفي حنين من محاولة لتوفير دعم مادي لبحث علمي أو مشروع طلابي، وليس من الغريب علينا في ظل هذه الظروف أن نرسل هذه المقالات ضمن رسائل إلكترونية إلى أصدقائنا في مختلف الكليات الصحية في المملكة لعلها تسهم في تفريغ الشحنات السلبية من أدمغتهم.
ولكن استرسال المقالات في كشف عيوب الأنظمة التعليمية الطبية وإبراز أوجه القصور والضعف فيها قد فاق كل توقعاتنا نحن طلاب وطالبات العلوم الصحية ممن كنا نحسب أنفسنا في وضع نحسد عليه، أما الآن ومع ازدياد إدراكنا بأن الصدع أعمق مما نتصور، فقد بدأ اليأس يدب إلى قلوبنا واهتزت ثقتنا في أنفسنا ومن ثم أصبحنا ننظر إلى أحلامنا بمنظار من يخشى تنكر المستقبل له وعبسه في وجهه وكثيرا ما نتساءل: إن كنا قد تعلمنا في ظل أنظمة بهذا المستوى، فما هي فرصتنا لنكون عاملين أكفاء في المجال الصحي؟ وهل سيكون لهذه المقالات دور في زعزعة ثقة المجتمع بنا كأطباء سعوديين متخرجين في جامعات سعودية؟ مع العلم بأن الثقة في الكفاءات الطبية الوطنية ليست بالمستوى المطلوب وقد يستثنى من ذلك حملة الشهادات الغربية أو الشرقية.
وفي حال مقارنة أنظمتنا التعليمية الطبية بالأنظمة العالمية - بعد أن عرفنا أوضاعنا الحقيقية - نحن نتساءل: كيف ستستقبلنا الجامعات العالمية في حال توافرت لنا فرص إكمال دراساتنا في الخارج بعد تخرجنا؟ وكيف سيقيمون مستوياتنا؟ وإلام سينظرون؟ إلى سيرنا الذاتية الخاوية من الأبحاث ذات المعايير العلمية العالمية، أم إلى ذكريات رسوب وإعادة سنوات في ماضي بعضنا الأسود،أم إلى مهاراتنا السريرية المنقوصة، أم إلى درجاتنا المنحطة بحجة أنه إذا حصل الطالب على امتياز" فماذا بقي لي كأستاذ جامعي؟" على حد تعبير أحد الأساتذة.
قد نُكئ الجرح مرة أخرى، والسبب أنت يا سيدي الاستشاري، فهلا تخبرنا ماذا علينا أن نفعل في هذه الظروف؟ وكيف نخرج من الأزمة بأقل الخسائر الممكنة؟)
ما يجب أن أوضحه بداية هو أن المقالات الصحفية-فيما أفهمه- تهدف إلى لفت الانتباه إلى قضايا معينة. إنها ليست بحثاً علميا مفصلاً تقدم دراسات تأصيلية فيها نتائج وتوصيات! كما أنها لا تقدم وصفاً دقيقاً كاملاً لأية مشكلة ولا تعطيك حلاً كيميائياً مجرباً لأخرى! فعلينا ألا نحمّلها مالا تحتمله!
ثم إن الأسلوب الذي أنتهجه أظن أن فيه أثراً للخلفية التعليمية الطبية عندي، وقد يشترك معي في هذا كتاب كثيرون - أطباء وغيرهم-. هذا الأسلوب قائم غالباً على الوصف التشخيصي للمشكلة، وذكر أسبابها وملامحها وأعراضها (انظر كمثال مقال: رؤية لتطوير التعليم الطبي في وطننا الغالي، نشر هنا في عدد رقم 2038 بتاريخ 1/4/1427 ، 29/4/2006). إننا نقوم كأطباء بدراسة جميع أعراض المريض وإلحاقها بنتائج الفحص السريري ثم الفحص المختبري.. لنصل في النهاية إلى وضع نظرية عامة شاملة تحاول تفسير كل شيء تقريباً. إننا نريد الإجابة عن عدة أسئلة منها: ما هو هذا المرض؟ وهل هو مرض واحد أو عدة أمراض؟ إذ إنه وبدون التشخيص الصحيح المبني على علامات واضحة ودلالات ظاهرة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نعالج معالجة صحيحة!
أعلم أن صحفنا وكتبنا وثقافتنا - بشكل عام - مليئة بالأساليب التشخيصية- كل على طريقته- والبكائية في كثير من الأحيان. ولكن عزائي الوحيد أني أكتب في الغالب في قضايا التعليم الطبي التي قل من يشير إليها في صحافتنا المحلية. والهدف هو لفت الانتباه إلى ما نعانيه في هذا المجال لنشترك جميعا في رؤية عامة لهذه المعضلات ونحن منطلقون في قطار المعالجة الواعية والمستنيرة.
والذي حدث مع صديقي الطالب هو جنوح عاطفي مع الإيغال الذي وجده في وصف مشاكلنا التعليمية، أدى به- وهذا متوقع في ضوء فداحة ما بنا- إلى الشعور بالإحباط والتشكيك في مخرجات نظام التعليم هذا.
إنه وبرغم كبر وتعدد هذه المشاكل فإن الحل لا يكون هكذا بثقافة الإقصاء والحكم بالفشل المطلق والقضاء النهائي على هذه الأنظمة. هل يعقل مثلاً أن يأتينا مريض شُخص على أنه مصاب بجلطة في القلب، وهو في الأساس يعاني من الضغط والسكر وبدايات فشل كلوي، وأثناء تشخيص الجلطة تم اكتشاف التهاب رئوي، فهل نقول: اقتلوا المريض!! لننتظر غيره يكون أكثر (تحضّراً)!!
إن علينا أن نفكر بإيجابية دائماً، وأن ينظر كل منا - سواء أكان طالبا أو معلماً أو مسؤولاً - إلى الدور الذي يجب أن يقوم به، مهما كان هذا الدور صغيرا. وبمثل هذه الروح المندفعة برشد وحكمة نرتقي بحسنا الحضاري ونبتعد عن حالة القابلية للقعود والتخلف!
إن أحد أمراضنا الثقافية المزمنة أننا لا نحسن ولا نجيد ثقافة النقد، ولا كيف نتعامل مع من ينتقدنا (المفترض أن يكون النقد بناء لا هداماً ولأغراض شخصية)، وننسى أو نتناسى أن المسيرة التعليمية والثقافية بل والحضارية سواء أكان على مستوى الأشخاص أم على مستوى المؤسسات والمجتمعات يجب أن تستمر مستفيدة بما حصل من نقد في تعديل هذا المسار أو حتى تغيير الوجهة لا أن تتوقف تماماً وتنشغل في ردود أفعال ناشئة عن هذا النقد والتي غالباً ما تتصف بالسذاجة! ولا أظن أن صديقي الطالب يريدني أن أوغل في كتابات إطرائية مبالغ فيها عن حالنا التعليمي ولا أن أزيد بأساليب تبريرية تعفي الجميع من مسؤولياتهم وتلتمس لهم الأعذار!
إن بلادنا ولله الحمد قد خطت خطوات جبارة في مجال العلم والمعرفة، وإن الإنفاق الحكومي على التعليم بشكل عام وعلى العالي منه بشكل خاص ضخم وهائل. لذا فإن الأمر المستغرب حقيقة هو ألا تتواكب مسيرة التعليم التطويرية مع هذا الإنفاق الهائل وهذه الرغبة الصادقة عند القيادة العليا لهذه البلاد - رعاها الله- في التطوير والنماء. لأجل هذا أكتب- ويكتب غيري كثيرون- حباً في تراب هذا البلد، ورغبة أكيدة في التطوير(الجامعات السعودية-عالميا- أفضل من الجامعات في جيبوتي والصومال).
صديقي الطالب: قد بالغت في جنوحك العاطفي، وقد أجحفت في حق نفسك وحق زملائك من طلاب الطب. أقول دائماً: إن طالب الطب السعودي - والعربي بشكل عام - هو طالب مكافح، مجاهد!! لأنه ورغم كل المعضلات التعليمية إلا أنه يثبت جدارته وقدرته على أن يتعلم ويتدرب ويرتقي بنفسه. عزيزي: إذا اختلط الأمر على الصائغ وهو يشكل قطعاً ذهبية، هل يغيّر هذا من حقيقة أن الذهب يظل ذهباً دائماً.
* استشاري في أمراض الروماتيزم
http://www.alwatan.com.sa/daily/2006-11-20/writers/writers03.html