PDA

View Full Version : الأول على كندا - د. هاني المعلم


Dr_ Sama
01-20-2007, 11:16 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

طبعا المقال هذا قبل مقال طالب يتذمر ويعتبر كأنه الجزء الأول له وأنا بصراحة ما شفته على المنتدى فلو كان موجود ، أقدم أسفي للمشرفين على تكرار المشاركة


الأول على كندا

هاني محمد المعلم*
يستغرب بعض الزملاء حين أصف حال خريجينا في كليات الطب وغيرها من أن بعضهم لا يحقق تعريف البالغ علميا (أقصد في مجال العلم والتعلم)!! معنى هذا أن عددا ليس بالصغير من خريجينا (والملامة ليست عليهم) مازالوا في فترة الحضانة!!
والبالغ علميا هو ـ ببساطة ـ ذلك المتعلم الذي يتحمل مسؤولية تعلمه. نعم كلمة قصيرة تصف من هو البالغ، لكن في طياتها معاني كثيرة!! فإذا تحمل المرء مسؤولية تعلمه أو قبل ذلك إذا وصل إلى درجة من الوعي تجعله يتحمل مسؤولية تعلمه انتظرت الكثير من هذا المتعلم على صعيد الإتقان في التطبيق العملي، والتطوير المستمر في مستوى الأداء العلمي والمهاري، والإبداع والابتكار في حل المعضلات التي تواجه طريقه.
إن الخريج الذي يتحمل مسؤولية تعلمه هو قائد، موجه، منتج، مبدع.
ويزيد استغراب زملائي هؤلاء حين أزعم أن كثيرا ممن حمل درجة التخصص أو الزمالة في الطب وغيره.. لا يحقق تعريف البالغ علميا!! يحدث هذا حين يساق المتعلم في سلم الترقي العلمي بدافع وهدف بعيد كل البعد عن حقيقة دور هذا المتخصص اجتماعيا وعلمياً، وبعيد عن المسؤولية الأخلاقية الملقاة على عاتقه بحكم حمله لهذا التخصص.

أحد هذه الأمراض التي تؤصّل للطفولية العلمية عند بعضنا هو الهوس بالامتحانات والعملية التقويمية بشكل عام. إن التقويم هو جزء مكمل للعملية التعليمية التي تشمل المنهج، طريقة وأسلوب التعليم، الطالب، المعلم، والبيئة التي تحدث فيها كل هذه العملية. والذي يسبب التشويه والمسخ في مفهوم وهدف العلم والتعلم هو جعل النجاح في الامتحان هو الهدف الأوحد والأعلى والأسمى والنهائي في العملية التعليمية، فإذا انتهى الامتحان انتهى الارتباط بما تم تعلمه.
إن عملية التقويم نفسها إنما هي حقيقة وسيلة من وسائل التعلم. وإن المتعلم إذا انخرط في عملية تعليمية متكاملة تحكمها بيئة سليمة مشجعة، فإن التقويم لا يعدو بالنسبة له إلا التحقق من بلوغه درجة التمكن في مجموعة من الكفايات (العملية والمهارية والسلوكية) على أن تكون هذه الكفايات هي.. هي ما تم إقراره في المنهج، وهي.. هي ما تم تدريسه أثناء تطبيق المنهج.
إننا نسهم بفاعلية في خلق حالة الهوس بالامتحانات وفي زرع بغض العلم عند متعلمينا كبارا وصغارا. وذلك حين ينفصم المنهج المقرّر عن المنهج الذي يدرّس وعن المنهج الذي يتم تقويمه. وبالتالي لا يحترم الطالب لا منهجاً ولا أستاذاً ولا أساليب تعليم وتدريب، وإنما يصبح حلمه الأول والأخير هو تجاوز الامتحان وحسب، فلا حب للعلم ولا تلهف للمزيد منه ولا تطلع للبحث فيه عن المزيد من الحقائق.
إن ما هو أهم وأخطر من المنهج وآلية تطبيقه ـ حقيقة ـ هو ما يطلق عليه بالمنهج المستتر وهو مجموعة القيم والسلوكيات التي يكتسبها الطلاب من أساتذتهم وأساليب تعامل مؤسساتهم العلمية معهم. وللقارئ الكريم أن يفكر في المنهج المستتر الذي يتجرعه أبناؤنا!!

وتزداد الأمور تعقيداً إذا أضفنا شيئاً إلى منطلقات هذا الطالب (الذي قد يكون طبيباً أو مهندسا أو في أي تخصص آخر) وهو المال ولا شيء غيره.. أو المنصب.. أو حتى فقط المكانة الاجتماعية التي تحصل له عند تخرجه، فيماري العلماء، ويجاري السفهاء بما يحصل عليه من علم هو في الحقيقة ظاهر العلم لا باطنه. فتراه من مجلس إلى آخر.. لا يرضى بأن يلقّب بغير الدكتور أو البروفيسور فلان، وأسوأ ما يعمله هؤلاء حين يفاخر أحدهم بإنجازاته الطبية أثناء تدربه في جمع من الأطباء عرفوا درب التخصص وحققوا هم أيضاً إنجازات طبية ولكنهم يجعلون أعمالهم تتحدث عنهم لا ألسنتهم!! وأما الآخر فهو يستغل بساطة مجتمعه وسذاجة تصوره عن العلم والعلماء، ليأتي بهراء يصدقه غير المتخصصين والعلماء، وذلك فقط ليرضي غروره وكبرياءه، من مثل من يتشدق في المجالس بأنه الأول على كندا في مجال طبي معين!!، أشبه ما يكون بأحد طلاب المرحلة الابتدائية فرحا ـ وهو صادق ـ بما حققه، وكما هو معلوم فإن معظم اختبارات الزمالة والتخصص لا تحرص على تصنيف المتقدمين إلى الاختبار بقدر ما تحرص على التأكد من أن هذا المتقدم يستحق درجة التخصص ويستطيع مزاولة هذه المهنة.
أو تجد آخر أسر نفسه في لقبه أو منصبه، وما بات يأخذ معنى لعلمه ولوجوده إلا من خلال عيشه في ظل هذا اللقب.. وقد حدث أن تقدم أحدنا إلى مقابلة شخصية في إحدى الجامعات الكندية، وطلبوا منه أن يقدم نفسه وهو في جمع من الأطباء.. فبادر بالقول (أنا الدكتور فلان) ثم استرسل في حديثه. والذي حدث أن هذا الطبيب لم يتم قبوله لإتمام برنامج الزمالة في تلك الجامعة، ومما سمعناه ممن قابله من الأطباء الكنديين هو استغراب بعضهم وسخرية الآخرين من طريقة التقديم هذه (أنا الدكتور فلان)!! لأن اللقب والدرجة العلمية والمنصب إنما هي أمور ثانوية لا علاقة لها بدورك الرئيسي الذي تلعبه في خدمة مجتمعك وأداء وظيفتك على الوجه الأمثل والذي يرضي الله عنك قبل أن يرضى عنك الآخرون.
ومما يثير الضحك ـ أحيانا ـ حين تلتقي مسؤولا في إحدى المناسبات الاجتماعية، فلا تجد شخصاً إلا كلوح الخشب، لا ابتسامة، لا التفاتة، لا تنازل بالحديث مع الآخرين، وتجاهل تام لكل من كان يعرفهم قبل توليه هذا المنصب، و إذا تكلم فما هي إلا جواهر في نظره يلقيها هنا وهناك.
أو الآخر الذي أراد أن يهنئ زميلا له على إنجاز عمل ما فلم يجد أسوأ من أن يقول (رغم أني أحمل درجة الماجستير وأنت تحمل درجة الدبلوم، إلا أنك قمت بعمل جيد!!) ولا تدري ما علاقة هذه بتلك ولعلك تبحث في كتب الطب النفسي لتجد تفسيراً لهذا السلوك!!
إن مما لاشك فيه أن التميز العلمي أمر مطلوب، و يجب أن نسعى إليه جميعاً، لكن يجب أن نعدد المجالات التي نقيس بها هذا التميز، إذ يجدر ألا نقتصر فقط على الدرجات التي يتحصل عليها طلابنا في اختبارات (لا ندري ـ أحيانا ـ كيف تم إعدادها ومدى سلامتها من العقد النفسية!!) وإنما يجب أن نعدّد مجالات التميز الذي نشجعه ونكرمه، إذ لكل طالب نمط معين في تعلمه وتحصيله، ومن ثمّ من لم يحصل على أعلى درجة في اختبار ما لا يعني أبداً أنه لن يبدع في حياته العملية!! ولهذا المفهوم علينا ألا نستغرب مدى عقم ثقافة أن من لم يكن الأول فهو فاشل!! والتي تنتشر وللأسف في كثير من مدارسنا وبيوتنا.

استشاري وأستاذ أمراض الروماتيزم