PDA

View Full Version : احباب الله


dr_stars
12-28-2002, 04:56 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
أقوم بفضل الله ومنته بوضع سيره لاحباب الله من الائمه الاعلام والصالحين في الامه المحمديه صلوات الله وسلامه على نبيها الرؤوف الرحيم وعلى اله وصحبه وسلم
ونبدا ان شاء الله بمختصر لسيره الامام الاعظم ابو حنيفه النعمان رضي الله عنه وارضاه ولحقنا به وبالصالحين اللهم امين
لم يختلف الناس على رجل كما اختلفت آراؤهم في أبي حنيفة النعمان..
تغالى البعض في تقديره حتى زعم أنه أوتي الحكمة كلها، وأنه يتلقى علمه عن الرسول(صلى الله عليه وسلم) فيما يشبه الرؤيا أو الرؤية!
واشتط الآخرون في كراهيته، حتى لقد اتهموه بالمروق عن الدين، وبالإلحاد والزندقة، وباستيراد المبادئ الهدامة من الديانات الوثنية ومن عباد النار..
وأعمى العداء آخرين، فأذاعوا عنه أنه مجوسي مدسوس على الإسلام ليحدث خرقا في الإسلام!!
كان هذا التصرف في الأحكام المتناقضة هو طابع العصر الذي عاش فيه أبو حنيفة، وهو في الوقت نفسه نتيجة سلوك الشيخ وسيرته واقتحاماته الفكرية الجسور..
ذلك أنه كان يدعو الى الأخذ بالرأي لا يبالي في رأيه بأحد..
فقد كان عارفا بأحوال الحياة، مستوعبا كل ثقافة من سبقوه ومن عاصروه، خبيرا بالرجال، شديدا على أهل الباطل، مرير السخرية بالمزيفين، لاذعا مع المنافقين من متعاطي الفقه والعلم والثقافة في عصر..
وهو عصر غريب حقا.. عصر مليء بالتطرفات..
هو ذلك العصر الباهر من الفتوحات والثراء الفكري.. عصر الأئمة العظام: محمد الباقر وزيد بن علي وجعفر الصادق ومالك بن أنس والليث بن سعد.. وهو في الوقت نفسه عصر الصعاليك الكبار، والمنافقين والمزيفين..!!
عصر عامر بالبطولات والأحلام والخطر والغنى الروحي والاقتحام، والمتاع..!
عصر يدوي على الرغم من كل شيء بأصداء المأساة، تفعمه الأحزان، ملتهب بالأشواق الى العدل وبالحنين الى الحرمة والصدق والإحسان وبالشجن!..
في ذلك العصر ولد أبو حنيفة النعمان بالكوفة سنة 80هـ من أسرة فارسية، وسمي النعمان تيمنا بأحد ملوك الفرس...
من أجل ذلك كبر على المتعصبين العرب أن يبرز فيهم فقيه غير عربي الأصل.. حاول بعض محبيه أن يفتعل له نسبا عربيا.. ولكنه كان لا يحفل بهذا كله فقد كان يعرف أن الإسلام قد سوى بين الجميع، وأن الرسول (صلى الله عليه) احتضن سلمان الفارسي وبلالا الحبشي، وكانا من خيرة الصحابة حتى لقد كان الرسول يقول «سلمان منا أهل البيت» وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول عن بلال: «سيدنا بلال».
ولقد شهد أبو حنيفة في طفولته فظائع الحجاج والي العراق وبطشه بكل من يعارض الأمويين حتى الفقهاء الأجلاء، فدخل في نفسه منذ صباه عزوف عن الأمويين واستنكار لاستبدادهم، ورفض للطغيان.. ثم إنه ورث عن أبيه وأمه حبا لآل البيت فما كان في ذلك العصر رجال ينبذون التفرقة بين المسلمين العرب وغير العرب إلا آل البيت.
وقد تمكن حب آل البيت من قلبه عندما تعرف على أئمتهم وتلقى عنهم، وعندما عاين أشكال الاضطهاد التي يكابدونها في كل نهار وليل!... حتى لقد شاهد الإمام الصادق واقفا يستمع إليه وهو يفتي في المدينة فوقف قائلا: «يا ابن رسول الله، لا يراني الله جالسا وأنت واقف».
وكان أبوه تاجرا كبيرا فعمل معه وهو صبي، وأخذ يختلف الى السوق ويحاور التجار الكبار ليتعلم أصول التجارة وأسرارها، حتى لفت نظر أحد الفقهاء فنصحه أن يختلف الى العلماء فقال أبو حنيفة: «إني قليل الاختلاف إليهم» فقال له الفقيه الكبير: «عليك بالنظر في العلم ومجالسة العلماء فإني أرى فيك يقظة وفطنة».
ومنذ ذلك اليوم وهب الفتى نفسه للعلم، واتصل بالعلماء ولم تنقطع تلك الصلة حتى آخر يوم في حياته.. ولكم عانى وعانى منه الآخرون في هذا الميدان الجديد الذي استنفر كل مواهبه وذكائه وبراعته!!
***
وانطلق الفتى الأسمر الطويل النحيل بحلة فاخرة، يسبقه عطره، ويدفعه الظمأ الى المعرفة، يرتاد حلقات العلماء في مسجد الكوفة.. وكان بعضها يتدارس أصول العقائد (علم الكلام)، وبعضها للأحاديث النبوية; وبعضها للفقه وأكثرها للقرآن الكريم.
ثم مضى ينشد العلم في حلقات البصرة.
وبهرته حلقة علماء الكلام، لما كان يثور فيها من جدل مستعر يرضي فتونه.
ولزم أهل الكلام زمنا ثم عدل عنهم الى الحلقات الأخرى.. فقد اكتشف عندما نضج أن السلف كانوا أعلم بأصول العقائد ولم يجادلوا فيها، فلا خير في هذا الجدل. ومن الخير أن يهتم بالتفقه في القرآن الكريم والحديث.
وانتهت به رحلاته بين البصرة والكوفة الى العودة الى موطنه بالكوفة، وإلى الاستقرار في حلقات الفقه، لمواجهة الأقضية الحديثة التي استحدثت في عصره، ولدراسة طرائق استنباط الأحكام.
وكان أبوه قد مات، وترك له بالكوفة متجرا كبيرا للحرير يدر عليه ربحا ضخما، فرأى أبو حنيفة أن يشرك معه تاجرا آخر، ليكون لديه من الوقت ما يكفي لطلب العلم وللتفقه في الدين ولإعمال الفكر في استنباط الأحكام...
ودرس على عدة شيوخ في مسجد الكوفة ثم استقر عند شيخ واحد فلزمه.. حتى إذا ما ألم بالشيخ ما جعله يغيب عن الكوفة، نصب أبا حنيفة شيخا على الحلقة حتى يعود.. وكانت نفس أبي حنيفة تنازعه أن يستقل هو بحلقة، ولكنه عندما جلس مكان أستاذه سئل في مسائل لم تعرض له من قبل، فأجاب عليها وكانت ستين مسألة.
وعندما عاد شيخه عرض عليه الإجابات، فوافقه على أربعين، وخالفه في عشرين.. فأقسم أبو حنيفة ألا يفارق شيخه حتى يموت.
ومات الشيخ وأبو حنيفة في الأربعين، فأصبح أبو حنيفة شيخا للحلقة، وكان دارس علماء آخرين في رحلات الى البصرة وإلى مكة والمدينة خلال الحج والزيارة،. وأفاد من علمهم، وبادلهم الرأي، ونشأت بينه وبين بعضهم مودات، كما انفجرت خصومات.
ووزع وقته بين التجارة والعلم.. وأفادته التجارة في الفقه، ووضع أصول التعامل التجاري على أساس وطيد من الدين..
كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه هو مثله الأعلى في التجارة: حسن التعامل، والتقوى، والربح المعقول الذي يدفع شبهة الربا..
جاءته امرأة تبيع له ثوبا من الحرير وطلبت ثمنا له مائة.. وعندما فحص الثوب قال لها «هو خير من ذلك». فزادت مائة.. ثم زادت حتى طلبت أربعمائة، فقال لها: «هو خير من ذلك». فقالت: أتهزأ بي؟، فقال لها: «هاتي رجلا يقومه» فجاءت برجل فقومه بخمسمائة..
وأرادت امرأة أخرى أن تشتري منه ثوبا فقال: «خذيه بأربعة دراهم» فقالت له: «لا تسخر مني وأنا عجوز» فقال لها: «إني اشتريت ثوبين فبعته أحدهما برأس المال إلا أربعة دراهم، فبقي هذا الثوب على أربعة دراهم».
وذهب الى حلقة العلم يوما، وترك شريكه في المتجر، وأعلمه أن ثوبا معينا من الحرير به عيب خفي، وأن عليه أن يوضح العيب لمن يشتريه.
أما الشريك فباع الثوب دون أن يوضح العيب!..
وظل ابو حنيفة يبحث عن المشتري ليدله على العيب، ويرد إليه بعض الثمن، ولكنه لم يجده، فتصدق بثمن الثوب كله، وانفصل عن شريكه..
بهذا الحرج كان يتعامل في تجارته مع الناس، وفي فهمه للنصوص، وفي استنباطه للقواعد والأحكام..
وعلى الرغم من أنه كان يكسب أرباحا طائلة، فقد كان لا يكنز المال.. فهو ينفق أمواله على الفقراء من أصدقائه وتلاميذه.
يحتفظ بما يكفيه لنفقة عام ويوزع الباقي على الفقراء والمعسرين.. فإذا عرف أن أحدا في ضيق، أسرع إليه، وألقى إليه بصرة على بابه، ونبهه الى أنه وضع على بابه شيئا، ويسرع قبل أن يفتح صاحب الحاجة الصرة..
وكان على ورعه وتقواه واسع الأفق مع المخطئين.. كان له جار يسكر في الليل ويرفع عقيرته بالغناء:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر
وكان صوت الجار يفسد الليل على أبي حنيفة.. حتى إذا كانت ليلة سكت فيها صوت الجار السكير، فلما أصبح الصباح سأله عنه فعلم أنه في السجن متهما بالسكر. وركب أبو حنيفة الى الوالي فأطلق سراح السكير.
وعندما عادا معا سأله أبو حنيفة «يا فتى هل أضعناك؟» فقال له «بل حفظتني رعاك الله».
وما زال به أبو حنيفة حتى أقلع عن الخمر. وأصبح من رواد حلقات العلم ثم تفقه وصار من فقهاء الكوفة.
***
وكان أبو حنيفة يدعو أصحابه الى الاهتمام بمظهرهم.. وكان إذا أقام للصلاة لبس أفخر ثيابه وتعطر، لأنه سيقف بين يدي الله.
ورأى مرة أحد جلسائه في ثياب رثة، فدس في يده ألف درهم وهمس: أصلح بها حالك. فقال الرجل: لست أحتاج إليها وأنا موسر وإنما هو الزهد في الدنيا. فقال أبو حنيفة: أما بلغك الحديث: إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده؟
وكان شديد التواضع، كثير الصمت، يقتصد في الكلام، ولا يقول إلا إذا سئل، وإذا اغلظ إليه أحد أثناء الجدال صبر عليه. وإذا دخلت إليه امرأة تستفتيه قام من الحلقة وأسدل دونها سترا، ليحفظها من عيون الرجال، وأجابها عما تسأل.. نبع هذا التقدير الكبير للمرأة من حبه العميق لأمه، وحرصه الدائب على أن يرضيها، ثم من فهمه الواعي للإسلام، واتباعه اليقظ للسنة، واجتهاداته الذكية.. وقد قاده اجتهاده الى الإفتاء بأن الإسلام يبيح للمرأة حق تولي كل الوظائف العامة بلا استثناء.. حتى القضاء!
ولقد كان في حرصه على إرضاء أمه. يحملها على دابة، ويسير بها الأميال، لتصلي خلف أحد الفقهاء يرى هو نفسه أن أبا حنيفة أفضل منه، لأن الأم كانت تعتقد بفضل ذلك الفقيه!
وكانت الأم لا ترضى بفتوى ابنها أحيانا، فتأمره أن يحملها الى أحد الوعاظ، فيقودها اليه عن طيب خاطر.. ولقد قال لها الواعظ يوما:. «كيف أفتيك ومعك فقيه الكوفة؟»
ومع ذلك فقد ظل أبو حنيفة حريصة على إرضائها، لا يرد لها طلبا، حتى إذا عذب في سبيل رأيه، طلبت منه أمه أن يتفرغ للتجارة وينصرف عن الفقه وقالت له: «ما خير علم يصيبك بهذا الضياع؟». فقال لها: «إنهم يريدونني على الدنيا وأنا أريد الآخرة وإنني أختار عذابهم على عذاب الله».
ولكم تحمل أبو حنيفة من عذاب!!!
كان مخالفوه في الرأي يغرون به السفهاء والمتعصبين والمتهوسين ويدفعونهم الى اتهامه بالكفر، الى التهجم عليه، فيقابلهم بالابتسام.
ولقد ظل أحد هؤلاء السفهاء يشتمه، فلم يتوقف الإمام ليرد عليه، وعندما فرغ من درسه وقام، ظل السفيه يطارده بالسباب، والإمام لا يلتفت إليه، حتى إذا بلغ داره توقف عند باب الدار قائلا للسفيه: «هذه داري فأتم كلامك حتى لا يبقى عندك شيء أو يفوتك سباب فأنا أريد أن أدخل داري»...!
***
كان خصوم أبي حنيفة صنفين: بعض الفقهاء ممن وجدوا انصراف الناس عن حلقاتهم الى حلقة أبي حنيفة، وحكام ذلك الزمان.
أما أعداء أبي حنيفة من الفقهاء فقد كان على رأسهم ابن أبي ليلى وتابعه شبرمة.
كان أعداؤه فقهاء للدولة في العصر الأموي، حتى إذا جاء العصر العباسي تحولوا الى الحكام الجدد، واحتالوا عليهم بالنفاق حتى أصبحوا هم أهل الشورى، يزينون للحكام الجدد كل ما زينوه للحكام السابقين من طغيان عدوان وبغي واستغلال وبطش بالمعارضين.. واصطنعوا من الآراء الفقهية، وقبلوا من الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة ما يسند الطبقة الحاكمة والمستغلين، وما يصرف الناس عنهم عن أمور الدنيا، وعن سياسة حياتهم، لينقطع الناس الى التقشف، ويتركوا مستغليهم يستبدون ويعمهون!
وكان أبو حنيفة يحتفظ باستقلاله أمام الحكام فيحترمه الحكام... وهو يلبس أغلى الفراء في الشتاء، ويتحلى طوال العام بثياب فاخرة، ويتعطر، ويتنعم بالطيبات من الرزق، وبزينة الحياة التي أحلها الله لعباده...
وكان يقاوم كما قاوم أستاذه وصديقه الإمام جعفر الصادق من قبل بدعة تزيين التقشف والانصراف عن هموم الحياة، وترك الأمر كله لطبقة بعينها تملك وتستغل وتحكم وتستبد!
على أن ميل أبي حنيفة الى الأئمة من آل البيت أوغر عليه صدور الأمويين والعباسيين على السواء.
ففي العصر الأموي قالوا «أن تكون كافرا أو مشركا خير من أن تكون علويا»..

dr_stars
12-28-2002, 04:58 AM
وفي العصر العباسي توالت المحن على العلويين، وأبو حنيفة يفتي بأن العلويين أصحاب حق..
على أنه مال إلى العباسيين أول الامر، وتوسم فيهم الخير، ولكنه إذ وجد الفقهاء الذين نافقوا الأمويين وزينوا لهم العدوان، هم الذين يشيرون على الخلفاء العباسيين، أصابته خيبة الأمل فيهم.. ثم إن العباسيين بطشوا بأبناء عمومتهم العلويين، فساء رأي أبي حنيفة في العباسيين.
وأبو حنيفة على الرغم من سماحته لا يسكت عن خطأ الفقهاء من الذين جعلوا كل همهم نفاق الحكام وإرضاءهم.. كان بعضهم يفتي في المسجد الى جوار حلقة أبي حنيفة، فإذا أخطأ انبرى له أبو حنيفة يكشف ذلك الخطأ، ويعلن الصواب على الناس.
وكاتن ينتقد أخطاء ابن أبي ليلى نقدا أوغر عليه صدر الرجل.. حتى نقد حكما فاحش الخطأ فانفجر غضب ابن ابي ليلى.. «وذلك أن أمرأة مجنونة قالت لرجل: «يا ابن الزانيين» فأقام عليها ابن أبي ليلى الحد في المسجد، وجلدها قائمة، وأقام عليها حدين حدا لقذف الأب وحدا لقذف الأم.
وبلغ ذلك أبا حنيفة فقال: «أخطأ ابن أبي ليلى في عدة مواضع: أقام الحد في المسجد ولا تقام الحدود في المساجد. وضربها قائمة والنساء يضربن قعودا. ولضرب لأبيه حدا ولأمه حدا ولو أن رجلا قذف جامعة ما كان عليه غير واحد، فلا يجمع بين حدين. والمجنونة ليس عليها حد. وحد لأبويه وهما غائبان ولم يحضرا فيدعيا».
وذهب ابن أبي ليلى الى الخليفة يشكو أبا حنيفة، واتهمه بأنه لا يفتأ يهينه، ويظهره للناس بمظهر الجاهل، وفي ذلك إهانة للخليفة نفسه لأن ابن أبى ليلى إنما ينوب عن الخليفة في القضاء ويحكم بين الناس..!
وأصدر الخليفة أمرا بمنع أبي حنيفة من التعليق على أحكام القضاة، وبمنعه من الفتوى.. حتى إذا احتاج الخليفة الى رأي في أمر معقد لا يطمئن فيه الى فتاوى الفقهاء من متملقيه، أرسل يستفتي أبا حنيفة، فامتنع عن الفتوى إلا أن يأذن الخليفة له في أن يفتي للناس جميعا. فأذن له.
وعاد يفتي، وعاد ينتقد الأحكام!.
وأراد الخليفة المنصور أن يكتب عقدا محكما فلم يسعفه الفقهاء الذين يصانعونه، فلجأ الى أبي حنيفة فأملى العقد من فوره فأزرى الفقهاء من بطانة الخليفة بما صنعه حسدا من عند أنفسهم. ولكن الخليفة زجرهم، وصرح بأن أبا حنيفة هو أفقه الجميع، وإن كان ليكره مواقفه وآراءه.
وعندما وقع خلاف بين الخليفة المنصور وزوجته لأنه أراد أن يتزوج عليها، أراد أن يحتكما الى فقيه، فرفضت الزوجة الاحتكام الى قاضي القضاة ابن أبي ليلى أو الى تابعه شبرمة أو إلى أحد الفقهاء من بطانة المنصور!
وطلبت أبا حنيفة.
وعندما حضر أبو حنيفة أبدى الخليفة رأيه أن من حقه الزواج لأن الله أحل للمسلم، الزواج بأربع، والتمتع بمن يشاء من الإماء مما ملكت يمينه.
فرد أبو حنيفة: «إنما أحل الله هذا لأهل العدل. فقمن لم يعدل فواحدة. قال الله تعالى: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة). فينبغي أن نتأدب بأدب الله ونتعظ بمواعظه».
وضاق الخليفة بفتواه. ولكنه أخذ بها.
وخرج أبو حنيفة الى داره. فأرسلت له زوجة الخليفة خادما ومعه مال كثير وأحمال من الثياب الفاخرة النادرة، وجارية حسناء، وحمار مصري فاره هدايا لأبي حنيفة.
فقال أبو حنيفة للخادم: «اقرئها سلامي. وقل لها إني ناضلت عن ديني وقمت بذلك المقام لوجه اله. لم أرد بذلك تقربا الى أحد ولا التمست به دنيا. ورد الجارية الحسناء والثياب والمال والحمار المصري جميعا.
كان أبو حنيفة لا يقف عند النصوص، وإنما يبحث في دلالاتها، ويحاول أن يواجه بالأحكام ما يقع من أحداث، وما يتوقع حدوثه من الأقضية والحالات.
الواقع والمتوقع هما ما كان يعني باستنباط الأحكام لمواجهتهما إن لم يجد نصا في الكتاب أو السنة أو الإجماع.
وكان يناظر الفقهاء ببديهة حاضرة يقلب الرأي على وجوهه، ويفترض، ويستقرئ ويستنبط، ويحسن الخلوص الى الغاية والخلاص من المأزق، ويلزم المناظر الحجة.
وهو مع ذلك يقول: «ربما كان ما قلته خطأ كله، لا الصواب كله».
ولقد اقتحم عليه الحلقة في يوم عدد من الخوارج على رأسهم قائدهم وفقيههم، وكان الخوارج يقتلون مخالفيهم. وكانوا يقتلون من أقر عليا بن أبي طالب على التحكيم. وخيره شيخ الخوارج بين التوبة أو القتل، فسأله أبو حنيفة أن يناظره، فرضي، فقال له: فإن اختلفنا؟ قال الخارجي: نحكم بيننا رجلا.. فضحك أبو حنيفة قائلا: أنت بهذا تجيز التحكيم.
فانصرف عنه الخوارج وتركوه سالما.
***
وكم من مرة خرج من المأزق بسرعة بديهته وسعة حيلته وقوة حجته..!
ولكنه لم يستطع أن يفلت من مصائد أعدائه من المرتزقة في بلاط الأمراء...
كانت صلابته، واحترام الحكام له، وإيثارهم إياه على الفقهاء المرتزقة من بطانتهم، تثير هؤلاء الفقهاء وتحرك حسدهم.. فأوغروا صدور الحكام حتى أوقعوا به. وحاولوا أن يقتنصوه بفضائله.
إنه لشجاع في الحق.. وإذن فلينصبوا له شركا من جسارته وتقواه..!
إن مواقفه في تأييد آل البيت لتؤجج غضب الحكام عليه.
ثم كانت آراؤه تزيد سخطهم عليه اشتعالا: فقد نادى بالرأي إن لم يكن هناك نص في الكتاب أو السنة، واتجه استنباط الأحكام إلى إلحاق الامور غير المنصوص على أحكامها بما نص على حكمه في حدود ما يحقق مصلحة الأمة ويتسق مع عرف البلد وعاداته، إن لم تخالف هذه العادات والأعراف روح الشريعة أو نصوصها.
أما عن مواقفه في تأييد آل البيت فقد أعلن أن العلويين أولى بالحكم من العباسيين، وجاهر بالانحياز الى العلويين. ولم يكتم هذا الميل قط، وظل يذيعه بلا تهيب.!
على أن الموقف ليس جديدا عليه. فقد أيد ثورة الإمام زيد بن علي زين العابدين بن الحسين أيام الحكم الأموي. وسمى خروج زيد جهادا في سبيل الله، وشبه بيوم بدر وحاول أن يخرج مع الإمام زيد،ولكن كانت لديه ودائع للناس أراد أن يسلمها لابن أبي ليلى فرفض. ولم يجد أبو حنيفة إلا ماله يجاهد به فأرسل إلى الإمام زيد مالا كثيرا يمير به جيشه ويقويه.
وحين ولي العباسيون أيدهم أول الأمر ولكنهم بطشوا بمعارضيهم، وصادروا حرية الرأي، ونكلوا بالعلويين، ونكلوا عن العدل الذي بايعهم عليه، فأعلن عدم رضاه عنهم في حلقات الدروس..
وكان المنصور قد جمع رؤوس العلويين وسجنهم. وصادر أموالهم وأراضيهم، ثار العلويون بقيادة محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم بن عبد الله، فبعث المنصور جيشا ضخما ليحصد العلويين.
أعلن أبو حنيفة تأييده للثورة، وبكى مصائر العلويين بعد أن نجح المنصور في إخماد الثورة والقضاء على قائديها وفتك بأهل المدينة المنورة الذين أيدوا الثورة..
وكان عبد الله بن الحسين شيخ أبي حنيفة والد محمد النفس الزكية وإبراهيم في سجن المنصور يعذب حتى الموت.
وحين مات أعلن أبو حنيفة في حلقته أن واحدا من أفضل أهل الزمان قد استشهد في سجنه. وبكاه وأبكى عليه.
وأما آراؤه التي أشعلت سخط الحاكم وحاشيته عليه فهي تلك التي استنبطها بالقياس حتى لقد اتهمه بعض الفقهاء من خصومه بأنه يفضل القياس على الحديث.
وما كان هذا صحيحا فقد رأى أبو حنيفة ظاهرة خطيرة، فأراد أن ينجو بدينه منها، وينجي معه الناس: ذلك أنه خلال الصراعين السياسي والاجتماعي، انتشر وضع الحديث خدمة لهذا الجانب أو ذاك، وتأييدا لهذه المصلحة أو تلك، فوقف أبو حنيفة من الحديث موقف أستاذه وصديقه الإمام جعفر الصادق.. وتحرى الرواة وصدقهم، وتحرى معاني الأحاديث، ورفض منها ما يشك في صدق رواتها وتقواهم، أو ما يخالف نصا قرآنيا، أو سنة مشهورة، أ» مقصدا واضحا من مقاصد الشريعة. وقد فحص الأحاديث الموجودة في عصره وكانت عشرات الآلاف فلم يصح في نظره منها إلا نحو سبعة عشر.
وذهب إلى أن القياس الصحيح يحقق مقاصد الشارع، ويجعل الأحكام أصوب وهو خير من الاعتماد على أحاديث غير صحيحة.. وللقياس ضوابط هي تحقيق المصلحة وهذا هو هدف الشريعة.
لقد كان تحرج أبي حنيفة وذمته وتقواه هي العوامل التي دفعته الى الحذر في قبول الأحاديث إذا شك في صحتها على أي نحو، وكان عليه إذن أن يجد طريقا آخر لاستنباط الأحكام الجديدة قياسا على أحكام ثابتة في القرآن الكريم أو السنة الصحيحة أو أقوال الصحابة السابقين من أهل الفتيا كعمر ابن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود.. وكان عبد الله ابن مسعود يفضل أن يفتي باجتهاده بدلا من أن يسند الى الرسول (صلى الله عليه وسلم) حديثا لا يرى عين اليقين أنه حديث صحيح.
وقد جد في عصر أبي حنيفة كثير من الحوادث والأقضية والأحوال، بعد اتساع الدولة وتشابك الأمور، وظهور ألوان كثيرة خصبة من النشاط التجاري والاجتماعي، وواجه الإمام هذا كله بالاجتهاد لاستنباط الأحكام التي تضبط العلاقات.
وما كان يبتدع في قياسه كما رماه خصومه، وما كان يهدر السنة كما حاول ابن أبي ليلى وتابعه شبرمة أن يصوراه كيدا له، بل كان منهجه هو قياس «المسألة على أخرى ليردها الى أصل من أصول الكتاب والسنة واتفاق الأئمة.. فيجتهد». وقد لخص هو منهجه في استنباط الأحكام في وصية لأحد تلاميذه ممن تولوا القضاء.. قال: «إذا أشكل عليك شيء فارحل إلى الكتاب والسنة والإجماع، فإن وجدت ذلك ظاهرا فاعمل به، وإن لم تجده ظاهرا فرده الى النظائر واستشهد عليه بالأصول، ثم اعمل بما كان الى الأصول أقرب بها أشبه».
***
وقاده هذا الإجتهاد إلى عديد من الآراء الحرة: الدعوة الى المساواة بين الرجل والمرأة، في عصر بدأت المرأة فيه تتحول الى حريم للمتاع!
فأفتى بأن للبالغة أن تزوج نفسها.. وهي حرة في اختيار زوجها.
كما أفتى بعدم جواز الحجر على أحد، لأن في الحجر إهدار للآدمية وسحقا للإرادة..
وأفتى بعدم جواز الحجر على أموال المدين، حتى لو استغرقت الديون كل ثروته. لأن في هذا مصادرة لحريته..
وفي كل أمر من أمور الحياة تتعرض فيه حرية الإنسان لأي قيد، أفتى الإمام أبو حنيفة باحترام الحرية وكفالتها، لأن في ضياع حرية الإنسان أذى لا يعدله أذى..
لقد أفتى بكل ما ييسر الدين والحياة على الإنسان فذهب الى أن الشك لا يلغي اليقين، وضرب لذلك مثلا بأن من توضأ ثم شك في أن حدثا نقض وضوءه، ظل على وضوئه، فشكه لا يضيع يقينه.
وأفتى بأنه لا يحق لأحد أن يمنع المالك من التصرف في ملكه.
ولا يحق لأحد أن يحكم على مسلم بالكفر ما ظل على إيمانه بالله ورسوله حتى لو ارتكب المعاصي. ومن كفر مسلما فهو آثم.
وأفتى بأن قراءة الإمام في الصلاة تغني عن قراءة المصلين خلفه، فتصح صلاتهم دون قراءتهم إكتفاء بقراءة الإمام وحده.
ولقد أثار هذا الرأي بعض الناس، فذهبوا الى الإمام ليحاوروه في رأيه فقال لهم «لا يمكنني مناظرة الجميع فولوا أعلمكم» فاختاروا واحدا منهم ليتكلم عنهم. وسألهم أبو حنيفة إن كانوا يوافقون على أنه إذ قد ناظر من اختاروه ليكون قد ناظرهم جميعا، فوافقوا، فقال لهم أبو حنيفة: «وهكذا نحن اخترنا الإمام فقراءته قراءتنا وهو يناب وعنا» فانصرفوا مقتنعين.
ودعا الى ضرورة العفو عن المخطئ إن لم تثبت عليه أدلة الإدانة ثوبتا قطعيا لا يشوبه الشك أو الظن، أعتمادا على أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أمر بدرء الحدود قدر المستطاع.. فالحدود تدرأ بالشبهات «فإن كان للمذنب مخرج أخلى سبيله. وأن يخطئ الإمام في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة».
وهو يطالب الناس بأن يسألوا في العلم بلا حرج، على أن يحسنوا السؤال. وكان يقول: «حسن السؤال نصف العلم»
وهو في اجتهاده يعرف مكانته، إن كان واثقا بنفسه، معتزا بكبريائه العلمي على الرغم من تواضعه الشديد.
ولقد سئل: «إذا قلت قولا وظهر خبر لرسول الله يخالف قولك؟ قال: إترك قولي بخبر رسول الله، وكل ما صح عن رسول الله فهو على العين والرأس. فقال السائل: فإذا كان قول الصحابي يخالف قولك؟. قال: أترك قولي بقول الصحابي. فقال السائل: فإذا كان قول التابعي يخالف قولك؟. قال أبو حنيفة: إذا كان التابعي رجلا فأنا رجل».
ويروى عنه أنه ذهب الى المدينة المنورة فجادل الإمام مالك بن أنس يوما في أمور اختلفا عليها وحضر المناظرة الإمام الليث بن سعد إمام مصر وهو الإمام الذي عاش في عصر الإمام جعفر الصادق وأبي حنيفة والإمام مالك وقال عنه أحد الفقهاء المتأخرين إنه حقا أفقه الناس ولكن المصريين أضاعوه فلم يحفظوا فقهه; واستمرت المناظرة طويلا حتى عرق الإمام مالك. وعندما خرج أبو حنيفة قال مالك لصديقه الليث: إنه لفقيه يا مصري!
قام فقه الإمام أبي حنيفة على احترام حرية الإرادة، ذلك أن أفدح ضرر يصيب الإنسان هو تقييد حريته أو مصادرتها.. وكل أحكامه وآرائه قائمة على أن هذه الحرية يجب صيانتها شرعا، وأن سوء استخدام الحرية أخف ضررا من تقييدها!.
فإساءة الفتاة البالغة في اختيار زوجها أخف ضررا من قهرها على زواج بمن لا تريده. وسوء استخدام السفيه لماله، يمكن علاجه بإبطال التصرفات الضارة به، أما الحجر على حريته فهو إهدار لإنسانيته، وهو ضرر لا يصلحه شيء!! وعلى أية حال فأذى الحجر أخطر من أذى ضياع المال ـ فالحجر إيذاء للنفس، وإهدار للإرادة، واعتداء على إنسانية الإنسان!!
وأبو حنيفة لايجيز الوقف إلا للمساجد لأن الوقف أو الحبس يقيد حرية المالك في التصرف.. بل إن الإمام إمعانا منه في الدفاع عن الحية لا يجيز للقاضي أن يقيد حرية المالك، حتى إذا أساء التصرف على نحو يهدد الغير.. وهو يطالب بأن يترك هذا كله للشعور بالتعاون الإجتماعي الذي يجب أن يسود أفراد الأمة.. فيحترم كل منهم حرية الآخرين، ويمارس حريته بما لا يمس مصالح الغير أ» حريته هذا أمر يجب أن يترك للناس فيما بينهم ولا سبيل للحاكم أو القضاء الى التدخل لتقييد حرية المرء في التصرف مهما يكن من شيء!
ولقد جاءه رجل يشكو جاره لأنه حفر بئرا بجوار جداره مما يؤثر في بيت الشاكي، فطلب أبو حنيفة من الشاكي أن يحدث جاره ليردم البئر، ويحفر في مكان آخر، فقال الرجل: «حدثته فامتنع ظالما». فقال أبو حنيفة: «فاحفر في دارك بالوعة في مقابل بئره». وفعل الرجل، فاندفع ماء البئر الى البالوعة، فاضطر الجار أن يردم البئر، ويحفرها في مكان بعيد عن جدار الشاكي.
وهكذا مضى أبو حنيفة يوضح للناس ما في تعاليم الإسلام من احترام للحرية والإرادة، معتمدا على الكتاب، والسنة الصحيحة، والرأي الذي يستنبطه بالقياس، مراعيا تحقيق المصلحة، أو الأعراف التي لا تتعارض مع قواعد الإسلام ومبادئه.
وقد أغنت آراؤه في الفقه وجدان الناس وأيقظت ضمائرهم، وحركتهم للدفاع عن حرياتهم في التصرفات، متمسكين في ممارستهم للحرية بمبادئ الدين وأصوله..
وكانت هذه الآراء كلها تناقض روح العصر الذي عاش فيه وهو عصر يقوم نظام الحكم فيه على تكفير الخصوم، وإهدار دمائهم، وتقييد الحريات، وإطلاق يد الحاكم، وتمكين ذوي السطوة من الضعفاء.
من أجل ذلك اتهمه خصومه من الفقهاء أصحاب المناصب بالخروج عن الإسلام..!
ثم إنه أفتى بتحريم الخروج لقتال المسلمين والفتك بهم.
وبهذا صرف بعض قواعد الجيش في عصره عن حرب العلويين وخصوم الحكام ومعارضي آرائهم.!
ومن ذلك أن الحسن بن قحطبة أحد قواعد المنصور دخل على أبي حنيفة يسأله: «أيتوب علي الله؟». وكان الحسن هذا قد قاد جيوشا للمنصور فقتل العلويين وخصوم العباسيين فقال له أبو حنيفة: «إذا علم الله تعالى أنك نادم على ما فعلت، فلو خيرت بين قتل مسلم وقتل نفسك لاخترت ذلك على قتله، وتجعل مع الله عهدا على ألا تعود لقتل المسلمين، فإن وفيت فهي توبتك»، فقال القائد: «إني فعلت ذلك وعاهدت الله على ألا أعود الى قتل مسلم». ثم ثار العلويون فأمر المنصور القائد أن يفتك بهم، فجاء القائد إلى أبي حنيفة يسأله الرأي فقال له أبو حنيفة: فقد جاء أوان توبتك. إن وفيت بما عاهدت فأنت تائب وإلا أخذت بالأول والآخر».

dr_stars
12-28-2002, 05:00 AM
فامتنع القائد عن تنفيذ أمر المنصور، وسلم نفسه الى العقاب وهو القتل، إذ دخل على المنصور فقال أنه لن يقتل المسلمين بعد! فغضب الخليفة عليه وأمر بقتله، حتى استشفع له أخوه قائلا «إننا لننكر عقله منذ سنة، وأنه قد جن».
وسأله الخليفة عمن يخالط القائد المتمرد، فقيل إنه يتردد على أبي حنيفة!
وأسرها الخليفة لأبي حنيفة.
على أن خصوم أبي حنيفة انتهزوا الفرصة فأوغروا صدر الخليفة وأوحوا إليه أن يقضي على أبي حنيفة واتهموه بإثارة الفتنة، وتثبيط قواد الجيش، وتأليب العامة على ولي الأمر، وتكوين حلقة من الفقهاء كلهم يدعو الى الثورة على الخليفة.
وكان من هؤلاء الخصوم فقيه أفتى للناس بأن تلاميذ أبي حنيفة خارجون على ولي الأمر ومرتدون عن الإسلام فأن يقال إن بالحي خمارا خير من أن يقال إن فيه أحدا من أصحاب أبي حنيفة..
وكان منهم فقيه آخر عرف وه في الحج أن أحد أصحاب أبي حنيفة سيصلي بالناس فلم يستطع كظم غيظه وصاح: «الآن يطيب لي الموت»..!
***
ورفض أبو حنيفة أن يقبل المناصب.. عرض عليه الأمويون منصب القاضي، فرفضه فسجنوه وعذبوه في السجن.. وظلوا يضربونه كل يوم بالسياط حتى ورم رأسه.. ومع ذلك فلم يقبل المنصب.. لأنه كان يرى أن تحمل المسؤولية في عهد يعتبر هو حاكميه ظالمين مغتصبين، إنما هو مشاركة في الظلم وإقرار للإغتصاب..
وفي السجن تذكر أمه الحزينة فبكى.. وسأله جاره في السجن عما يبكيه وهو الفقيه الجليل الصلب، فقال من خلال دموعه: «والله ما أوجعتني السياط. بل تذكرت أمي فآلمتني دموعها».
وساءت صحته في السجن. وبدأت الثورة تتجمع ضد الخليفة الأموي احتجاجا على ما يحدث لأبي حنيفة فأطلق سراحه.
ولم يعد له مقام في الكوفة التي شهدت عذابه.. فترك مسقط رأسه، ومرح شبابه، بكل ما فيها من ذكريات عزيزة وآمال عذبة، وأقام بالحجاز حتى سقطت الدولة الأموية، فعاد الى موطنه!
ولكن العباسيين لم يتركوه.. فمنذ شعر بخيبة الأمل فيهم لبغيهم واضطهادهم للعلويين، واصطناعهم المرتزقة من الفقهاء، بدأ يجهر برأيه في استبدادهم وطغيانهم.
ورفض كل هداياهم، كما رفض هدايا الأمويين من قبل.
وعرضوا عليه منصب قاضي القضاة فأبى.. وتمسك بالتفرغ للعلم.
قالوا له أنه قد حصل من العلم ما يجعله في غنى عنه فرد: «من ظن أنه يستغني عن العلم فليبك على نفسه».
بعد أن فرغ المنصور من بناء بغداد، وأقام فيها معتزا بها، حرص على أن يجعل أكبر فقهاء العراق قاضي القضاة فيها. وكان أبو حنيفة قد أصبح أكبر الفقهاء بالعراق حتى سماه أتباعه ومريدوه: الإمام الأعظم. ولكن الإمام صمم على الرفض.
كان يعرف ما ينتظره.. فابن أبي ليلى لا يكف عن الكيد له، وهو لا يغفر لأبي حنيفة ما يوجهه من نقد لاذع لأحكامه.
وقد ضم ابن أبي ليلى إليه حاجب الخليفة ووزيره الأول، وكان أبو حنيفة قد أحرجه وكشف أكاذيبه أمام الخليفة في محاورة حاول فيها الوزير الأول أن يوقع بالإمام ففضحه الإمام وأفسد حيلته.
وقد أفتى أبو حنيفة بأن الوزير لا تصح شهادته لأنه يقول للخليفة أنا عبدك «فإن صدق فهو عبد ولا شهادة له. وإن كذب فلا شهادة لكاذب»!!
وقد أخذ أحد تلاميذ أبي حنيفة بهذا النظر فيما بعد حين ولي القضاء فرد شهادة الوزير الأول لخليفة آخر، لأنه قبل الأرض بين يدي الخليفة قائلا له: أنا عبدك!
***
إتسعت الفتوحات حتى أصبح البحر الأبيض المتوسط بحيرة إسلامية، وحتى ارتفعت الراية الإسلامية فوق شرق أوربا وجنوبها والأندلس، وكل بلاد العالم التي عرفها إنسان ذلك العصر..
وعلى الرغم من ازدهار الحضارة، فقد شغل رجال الحاشية بالكيد لابي حنيفة يظاهرهم بعض الفقهاء أصحاب المناصب وأهل الحظوة عند الخليفة.
وأخذ الوزير الأول يكيد عند الخليفة لأبي حنيفة. وانتهز فرصة خروج أهل الموصل على الخليفة، وكانوا قد شرطوا على أنفسهم إن هم خرجوا على الخليفة أن تباح دماؤهم وأموالهم. وأرسل الخليفة الى ابن شبرمة وابن أبي ليلى ليسألهما رأي الدين في أهل الموصل، وكان قد أعد جيشا للفتك بهم. واقترح الوزير الأول على الوزير أن يدعو أبا حنيفة وكان يعرف أن تقواه وشجاعته وكل فضائله ستقوده الى مخالفة رأي الخليفة. وحضر الفقهاء الثلاثة فسألهم عن حكم الشرع في أهل الموصل. وسكت أبو حنيفة وأفتى الآخران بأن أهل الموصل يستحقون الفتك بهم!...
وأفتى أبو حنيفة بأن الخليفة لا يحق له الفتك بأهل الموصل، لأنهم بإباحتهم أرواحهم وأموالهم إنما أباحوا ما لا يملكون.
وسأل: «لو أن امرأة أباحت نفسها بغير عقد زواج أتحل لمن وهبته نفسها؟ فقال له الخليفة «لا».
فطلب الإمام أبو حنيفة منه أن يكف عن أهل الموصل فدمهم حرام عليه، وأن يوجه الجيش الى حماية الثغور، أو إلى فتح جديد لنشر الإسلام، بدلا من أن يضرب به المسلمين.
وضاق به الخليفة وأمره أن ينصرف.. ومن حول الخليفة أعداء الإمام يستفزونه للبطش به وفي مقدمتهم ابن أبي ليلى قاضي القضاة وتابعه شبرمة.
ومضى أبو حنيفة إلى داره وهو يقول لصحبه: «إن ابن أبي ليلى ليستحل مني ما لا استحله من حيوان!».
وفي الحق أن ابن أبي ليلى وشبرمة والعصبة المعادية لأبي حنيفة في قصر الخليفة زينت للخليفة أن يقهر أبا حنيفة على قبول ما يعرضه عليه من مناصب، فإذا أبى فقد امتنع عن أداء واجب شرعي فحق عليه العقاب، ووجب أن يشهر به في الأمة، لأنه يتخلى عن خدمتها.!
واقترحوا على الخليفة أن يبدأ فيمتحن ولاءه، فيرسل إليه هدية.
وكانوا يعرفون سلفا أن الإمام أبا حنيفة لن يقبل الهدية..!
وأرسل له الخليفة مالا كثيرا وجارية.. فرد الهدية شاكرا.
ثم أرسل الخليفة إليه يلح عليه في ولاية القضاء أو في أن يكون مفتيا للدولة يرجع إليه القضاة فيمن يصعب عليهم القضاء فيه..بما أنه يكثر من لوم القضاة على أحكامهم، ويكشف للعامة جهل شيخهم ابن أبي ليلى وتابعه شبرمة!
ورفض أبو حنيفة.. فاستدعاه الخليفة يسأله عن سبب رفضه فقال له: «والله ما أنا بمأمون الرضا فكيف أكون مأمون الغضب؟ ولو اتجه الحكم عليك ثم هددتني أن تغرقني في الفرات أو الحكم لك لاخترت أن أغرق. ثم إن تلك حاشية يحتاجون الى من يكرمهم لك، فلا أصلح لذلك.»
وكانت الحاشية كلها تحيط بالخليفة، وعلى رأسها وزيره الأول والفقيهان ابن أبي ليلى وشبرمة، فأبدوا التذمر وبان عليهم استنكار ما يقوله الإمام أبو حنيفة، فقال الخليفة محنقا: «كذبت».
فقال أبو حنيفة في هدوء: قد حكمت على نفسك.. كيف يحل لك أن تولي قاضيا على أمانتك وهو كاذب؟!
وبعد قليل سأله الخليفة عن سبب رفض هداياه.. فقال له أبو حنيفة أنها من بيت مال المسلمين ولا حق في بيت المال إلا للمقاتلين أو الفقراء أو العاملين في الدولة بأجر وهو ليس واحدا من هؤلاء!
فأمر الخليفة بحبسه. وبضربه بالسياط حتى يقبل منصب قاضي قضاة بغداد.
وهاهو شيخ في السبعين أثقلته المعارك والدسائس والهموم، ومكابدة الفقه والعلم والتحرج.. هاهو ذا يضرب، ويظل يضرب بالسياط في قبو سجن مظلم، ورسل الخليفة يعرضون عليه هدايا الخليفة، ومنصب القضاء والإفتاء.. وهو يرفض.. فيعاد الى السجن ليعذب من جديد.. ويكررون العرض، وهو يكرر الرفض داعيا الله «اللهم أبعد عني شرهم بقدرتك».
وظل في سجنه يعرضون عليه الجاه والمنصب والمال فيأبى.. ويعذب من جديد!
وتدهورت صحته، وأشرف على الهلاك.
وخشي معذبوه أن يخرج فيروي للناس ما قاسى في السجن، فيثور الناس!.
وقرروا أن يتخلصوا منه فدسوا له السم،
وأخرجوه وهو يعاني سكرات الموت، وما عاد يستطيع أن يروي لأحد شيئا بعد!!
وحين شعر بأنها النهاية أوصى بأن يدفن في أرض طيبة لم يغتصبها الخليفة أو أحد رجاله. وهكذا مات فارس الرأي الذي عرف في السنوات الأخيرة من حياته باسم الإمام الأعظم.
وشيعه خمسون ألفا من أهل العراق واضطر الخليفة أن يصلي على الإمام الذي استقر الى الأبد في ركن هادئ من الدنيا لم يشبه غضب، والخليفة يهمهم: «من يعذرني من أبي حنيفة حيا وميتا؟».
وهكذا مضى بطل الفكر الشجاع شهيدا لحرية الرأي في محنة من العذاب لم يعرفها أحد من الفقهاء من بعده حتى كانت محنة الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة.. في عصر زري كذلك العصر.. عصر تحكمه الدسائس والسموم وسياط الجلادين، على الرغم من روعة الفتحات العسكرية، وانتصارات العقل الإنساني، ويبطش فيه المزيفون برهان الحرية وفرسان الفكر..
وتظل المنارات الشامخة فيه مضيئة على الرغم من كل شيء، تقدم للإنسانية جيلا بعد جيل عطاء خالدا من شعاع المعرفة، والقوة، وجسارة الكلمة الصادقة الأبية الفاضلة..!
المصدر: عبد الرحمن الشرقاوي ـ أئمة الفقه التسعة ـ العصر الحديث للنشر والتوزيع 1985

:12: :12: :12:

dr_stars
12-31-2002, 01:35 AM
<center>
بسم الله الرحمن الرحيم
نذهب بكم اليوم في سيره احد الامه الكبار احد ائمه المذاهب الاربعه الامام الجليل عاشق المدينه وامام الحرمين سيدنا أنس بن مالك في مختصر لسيرته العظيمه
اجتمعت الأسرة الصغيرة ذات مساء، كما تعودت بعد كل صلاة عشاء، تتذاكر أمور الحياة والدين، فيحكي الأب عما صادفه وجه النهار في متجره الصغير الذي يبيع فيه الحرير، وعما عرض له خلال البيع والشراء من واقعات، ويشرح لأولاده ولأم البنين ما حفظه عن أبيه عن جده الصحابي من أحاديث وآثار، وتأخذ الأسرة باستيعاب ما يقول.
وفي تلك الليلة ألقى الأب سؤالا في الدين على أفراد أسرته فأحسنوا الإجابة إلا ولده الأصغر مالكا..
كان في نحو العاشرة، قد حفظ القرآن وبعض الأحاديث، وامتلأت آفاقه بنور الكلمات، ولكن عقله لم يكن قد استطاع أن يعي ما فيها.. وكان مالك لنضارة سنه يحب أن يرتع ويلعب.
وغضب أنس على ولده الصغير مالك لأنه أخطأ في الإجابة على سؤال في الدين، ونهره لأنه مشغول باللعب مع الحمام، وهذا يلهيه عن العلم!.
وبكى الصبي كما لم يبك من قبل، وفزع الى أحضان أمه يسألها الحماية والنصيحة، ويستعينها على ما هو فيه.
ونشطت أمه من غدها بعد صلاة الفجر فأدخلته الحمام، وطيبته وألبسته أحسن ثياب وعممته، ودفعت به الى مسجد رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ليتلقى العلم، واختارت له حلقة «ربيعة» من بين سبعين حلقة تلتف حول أعمدة المسجد النبوي يقوم عليها سبعون من أساطين العلم.. «وربيعة» هو حينذاك أكبر فقيه يجتهد رأيه ليستنبط الحكم عندما لا يجده في نص قطعي الدلالة.. وهو أكثر العلماء دعوة الى الاجتهاد والأخذ بالرأي ومن أجل ذلك سمي ربيعة الرأي.
ويتعود الصبي بعد ذلك طيلة حياته أن يستحم ويتطيب ويلبس خير ثيابه كلما جلس يتعلم أو ليعلم.
ولكم عجب رواد المسجد لذلك الصبي الأشقر يفوح منه الطيب في عمامة الشيوخ وهو يمسك بلوح يكتب فيه كل ما يقوله «ربيعة» ويشب بعينيه وأذنيه مسائل صعبة من اجتهاد ربيعة الذي لم يكن يروي أحاديث يمكن أن تحفظ، بل يلقي بفتاوي واستنباطات يحتاج فهمها الى عقل ناضج، ورأس كبير جدير بالعمامة التي يحملها.
ومنذ ذلك اليوم من أوائل القرن الثاني للهجرة أخذ مالك نفسه بالمشقة في طلب العلم..
نصحته أمه أن يذهب الى المسجد النبوي، فيجلس الى «ربيعة» ليأخذ من علمه قبل أدبه.. وكان ربيعة مشهورة في المدينة بفقه الرأي.. ولكن الصبي لم يعكف على ربيعة وحده، فقد بهره ما في الحلقات الأخرى من فنون المعارف.. فتنقل بين حلقات الفقهاء.. يحفظ القرآن ويصغي الى تفسيره في هذه الحلقة أ» تلك.. ثم ينتقل الى حلقات أخرى فيحفظ منها الأحاديث النبوية ويستوعب تأويل الأحاديث. ويتلقى فتاوى الصحابة من شيخ، والرد على ما يثار من أفكار وآراء في العقائد من شيخ آخر.. ثم يعود الى ربيعة أو غيره من الشيوخ الذين يجد لديهم علما أغزر.
كان يحمل معه حشية تقيه برد المسجد إذا كان الشتاء، ما كان يكتفي بما يتعلم في المسجد بل يلتمس الشيوخ في دورهم يستزيد من علمهم ويصبر على ما في بعضهم من حدة.. ولقد ينتظر أحد الشيوخ في الطريق ساعات ما يجد فيها شجرة تقيه الهاجرة حتى إذا رأى الشيخ يعود الى داره انتظر لحظة ثم قرع عليه بابه. ولقد يملأ أكمامه بالتمر يهديه لجارية أحد الفقهاء لتمكنه من الخلوص الى العلم المنشود.
وكان مالك إذا جلس ليستمع للأحاديث وهو صبي يحمل معه خيطا فيعقد مع كل حديث عقدة.. حتى إذا كان آخر النهار، أعاد على نفسه الأحاديث وعد العقد، فإن وجد نفسه قد نسي شيئا قرع باب شيخه الذي سمع منه الأحاديث فيحفظ منه ما نسي.
انقطع مالك لطلب العلم، ومات عائله، وشب الفتى وأصبح عليه أن يعول نفسه وزوجته وابنته.. وكانت به تجارة بأربعمائة دينار ورثها عن أبيه، ولكنه كان مشغولا عنها بطلب العلم فكسدت تجارته، واضطر الى أن يبيع خشبا من سقف بيته ليعيش هو واسرته بثمنه، وكان الجوع يعضه ويعض زوجته وابنته فتصرخ الطفلة من الجوع طيلة ليلها. فدير أبوها الرحى ولا يسمع الجيران صراخها..
ولما قد بلغ أوج شبابه، وجد نفسه عاجزا عن توفير ما يكفي أهل بيته إلا أن يضحي بطلب العلم..
فانفجرت أول صرخات اجتهاده وناشد الحاكمين أن يمكنوا أهل العلم من التفرغ للعلم، وأن يجروا عليهم رواتب تكفل لهم الحياة الكريمة..
غير أن أحدا لم يلتفت اليه، فقد كانت الدولة الأموية التي عاش شبابه في ظلها مشغولة بتثبيت أركانها، وبتألف قلوب شيوخ أهل العلم دون شبابهم.
والتقى به في تلك الفترة طالب علم شاب من أهل مصر هو الليث ابن سعد.. كان قد ألف أن يحج ما بين عام وعام ويزور المدينة ويجلس الى حلقات الفقهاء في الحرم النبوي، وقد أعجب كل واحد منهما بذكاء صاحبه ونشأت بينهما علاقة احترام متبادل، وألقى الله في قلبيهما مودة ورحمة... ولاحظ الليث بن سعد أن صديقه ـ على الرغم من أناقة ثيابه ونظافتها، وعلى الرغم من رائحة المسك والطيب التي تسبقه ـ فقير جهد الفقر، وإن كان ليداري فقره تعففا وإباء!..
وكان الليث واسع الغنى، فمنح صاحبه مالا كثيرا وأقسم عليه أن يقبله.
وعاد الليث الى وطنه مصر وظل بها يصل صاحبه مالك بن أنس بالهدايا بالمال، حتى أصلح الله حال مالك ووجد من الخلفاء من يستجيب الى ندائه المتصل أن تجري الرواتب على أهل العلم.
ولقد سئل مالك عن عدم السعي في طلب الرزق والانقطاع الى العلم فقال:
«لا يبلغ أحد ما يريد من هذا العلم حتى يضربه الفقر ويؤثره على كل حال. ومن طلب هذا الأمر صبر عليه.».
وفي الحق أنه ظل طالب علم بعد أن أصبح فقيها كبيرا يسعى إليه الناس من كل أقطار الأرض وإلى أن توفي سنة 179هـ وفي نحو السادسة والثمانين.
ولقد ظل يعلم الناس، عندما جلس للعلم، أن يتحرجوا في الفتيا وفي إبداء آرائهم، فإذا كان الفقيه غير متثبت مما يقول فعليه في شجاعة أن يعترف بأنه لا يدري. ذلك أن الفتيا لون من البلاء لأهل العلم.
فمن حسب نفسه قد أوتي العلم كله، فهو الجاهل حقا.. وشر الناس مكانا هو من يضع نفسه في مكان ليس أهلا له. وإن رأى الناس غير ذلك، فصاحب العلم أدرى بنفسه، وللرأي أمانته.
ويحكى أن رجلا جاءه من أقصى الغرب موفدا من أحد فقهائها، ليسأل مالكا بن أنس عن مسألة.. فقال مالك: «أخبر الذي أرسلك ألا علم لي بها» فأخبره الرجل أنه جاء من مسيرة ستة أشهر ليسأل عن هذه المسألة. فقال مالك: «ما أدري وما ابتلينا بهذه المسألة في بلدنا وما سمعنا أحدا من أشياخنا تكلم فيها ولكن تعود غدا». وظل مالك يفكر في المسألة ويقرأ ما يمكن أن يتصل بها حتى إذا كان الغد جاءه الرجل فقال له مالك: «سألتني وما أدري ما هي» فقال الرجل «ليس على وجه الأرض أعلم منك وما جئتك من مسيرة أشهر إلا لذلك» فقال مالك: لا أحسن.
بهذه الأناة والتحرج كان مالك يعالج الفتيا.
ولقد عاش في المدينة المنورة طيلة حياته منذ ولد فيها نحو سنة 93هـ إلى أن ثوى تحت ثراها آخر الدهر. لم يبرحها قط إلا لحج أو عمرة..
كان مالك يجد في المدينة ريح النبوة، ونفحات علوية من أنفاس الرسول حتى لكأنه يستنشق كل خفقة من أنسام مدينة الرسول جلال الأيام الباهرة الخالية: أيام النور والوحي والبطلات والفرقان.
وما زال أهل المدينة يصغون كما كانوا يصغون في زمن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) والصحابة الأوائل.. إنهم ليتوارثون سنته الشريفة في القول والعمل الآباء عن الأجداد.. آلافا عن آلاف حتى لقد صح عنده أن عمل أهل المدينة في عصره سنة مؤكدة، وأنه أولى بالإعتبار عند الفتيا والقضاء من أحاديث الآحاد..
إنه لعاشق لمدينة رسول الله كما لم يعشق أحد مدينة من قبل ولا من بعد، يكاد يحمل لها من التعظيم ما يحمله للرسول (صلى الله عليه سلم) نفسه ولصحابته.
حكى الشافعي أنه رأى على باب مالك هدايا من خيل خراسانية وبغال مصرية فقال الشافعي «ما أحسن هذه الأفراس والبغال، فقال مالك: هي لك فخذها جميعا. قال الشافعي: ألا تبقي لك منها دابة تركبها؟ قال مالك: إني لأستحي من الله تعالى أن أطأ تربة فيها رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بحافر دابة».
وفي الحق أن الحياة في المدينة كانت تناسب طبيعة مالك.. فقد ظلت المدينة بعيدا عن مضطرب التيارات الفكرية التي تصطخب في غيرها من مدائن المسلمين، فهي تعيش على السنن المتوارثة وتنأى بنفسها عن صراع العقائد، والجدل الفلسفي، وكلام الباحثين فيما وراء الغيب، وكل ما أنتجته ترجمة الفلسفات اليونانية والهندية والفارسية.. إنها حقا قرية مؤمنة ورب غفور.. مالك بن أنس رجل يحب الدعة وينشد السكينة، ويعكف على الدرس المطمئن. وهو يكره الجدل واللجاج والصخب والمناظرة، والكلام فيما لا ينفع الناس في حياة كل يوم.
وكان يقول لمن سافر لمن يريدون الجدل في العقائد «لا تجادلوا.. وكلما جاء رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبريل، وغير الإنسان دينه».
وكان مالك لا يحب أن يخوض غمرات الصراع السياسي.. وكانت المدينة بالقياس الى غيرها من بلاد المسلمين أكثرهن بعدا عن الثورات الفتن ومناهضة الحكام.
ولقد بلغ نفوره من الجدل حدا جعله يصد عنه هارون الرشيد عندما لقيه في المدينة وطلب منه أن يناظر أبا يوسف صاحب أبي حنيفة.
فقال مالك مغضبا: «إن العلم ليس كالتحريش بين البهائم والديكة».
كان مالك يعتقد أن الجدال في الدين مفسدة للدين. وقال: «إن الجدل يبعد المتجادلين عن حقيقة الدين. إن المراء والجدل في الدين يذهبان بنور العلم من قلب المؤمن». وسئل: «رجل له علم بالسنة آلا يجادل عنها؟ فقال: يخبر بالسنة فإن قبل منه، وإلا سكت.»
على أن الأفكار الجديدة اقتحمت على مالك وأهل المدينة حياتهم، وفرضت عليهم النظر فيها، فقد كان أصحابها يذهبن الى الحجاز للحج العمرة وللزيارة.. وكان على مالك وأهل العلم في المدينة أن يناظروا فيما هو مطروح من أفكار وكلام. صفات الله. كيف يرى يوم القيامة، وخلق القرآن.. القدر والجبر والإختيار.
وفرضت القضايا نفسها على فقهاء الحجاز.. أما مالك فقال: «الكلام في الدين أكرهه أنهي عنه ولم يزل أهل بلدنا (المدينة) يكرهونه وينهون عنه.. نحو الكلام في القدر والجبر ونحو ذلك ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل. وما تحته عمل من الدين هو ما يفيد الناس في دنياهم وآخرتهم.. هو الفقه الذي يحكم أعمال الناس ويرد الفروع إلى الأصول». أما العقائد فقد نهى عن الجدل فيها وقد فسر مالك كل آية تحدث عن العداوة والبغضاء التي تقع بين عباد الله، بأنها الخصومات للجدل في الدين.
وكان مالك يتساءل عن جدوى هذه الأفكار المبتدعة عن ذات الله وصفاته والجبر والاختيار؟ وخلق القرآن؟
وما عساها تحقق من مصالح أن تدفع من مضار؟
إنه لأولى بأهل العلم أن يشتغلوا بالحكمة... والحكمة التي جاءت كثيرا في القرآن هي ـ في رأي مالك ـ في دين الله والعمل به..
ولقد أطلق مالك على أصحاب الكلام في العقائد والجبر ونحو ذلك من أصحاب بدع وقال عنهم إنه ما عرف أشد منهم سخفا ولا حمقا. فما جدوى الكلام فيما يتكلمون فيه؟ ماذا يحقق جدل كهذا من مصالح للعباد؟..
إن المعتقدات يجب ألا تكون موضع كلام وعلى المسلم العاقل أن يسلم بها تسليما مطلقا، وأن يجعل همه إلى ما وراء ذلك مما ينفع الناس، ويمكث في الأرض يدفع عنهم الضرر والمفاسد، ويضبط لهم علاقاتهم وحياتهم ومعاشهم بما يستنبط به من أحكام الشريعة.
فليسأل أهل العلم أنفسهم ما هو مقصد الشريعة الإسلامية وما هدفها؟...... وليتقوا الله حق تقاته وهم يجيبون على هذه المسألة... أهو في الشريعة الإسلامية أن يتخاصم الناس ويتمارون حول القدر وخلق القرآن ورؤية الله والجبر الاختيار؟... وبهذا تنصرف العقول عن التفكير فيما ينفع الناس؟.. لا بل إن هدف الشريعة هو إقامة العمران في هذا العالم وتحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة..
من أجل ذلك فقد وجب على العلماء والفقهاء أن يبصروا الناس بما يحقق المصلحة ويقيم عمارة العالم، وبما يدرأ عنهم المفاسد وبما يضبط أمورهم على أركان ركينة من العدل والتقوى وصلاح الأمور.
والأحكام التي تحقق مقاصد الشريعة منصوص عليها في القرآن والحديث، ويجب التعرف عليها بكل طرائق الفهم والتفسير، وتدبر ما وضح وما خفي من دلالات النصوص، فإن لم يسعف النص في موجهة ما يستجد من أحداث، فلينظر الفقيه في إجماع الصحابة ليستخلص الحكم، ففي إجماع الصحابة حجة كالسنة المؤكدة، فإن لم يجد الفقيه ما يشفي فلينظر في عمل أهل المدينة لأنهم تلقوه آلافا عن آلاف عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) وصحابته.. فإن كان ما استجد من قضايا لا حكم له عند أهل المدينة فليقس الفقيه ليطبق على القضية الجديدة حكم قضية سابقة وأورد به نصا إن توفرت العلة في القضيتين فإن تعارض هذا القياس مع مصلحة فليفضل الحكم الذي يحقق المصلحة استحسانا له.. فهو الأحسن. وإن لم يسعفه القياس فلينظر في عرف الناس وعاداتهم إن لم يكن مخالفا لما أحله.. فإن لم يجد فلينظر أين المصلحة.. وليجعل تحقيق المصلحة هو مناط الحكم.
على أن مالك بن أنس لم يوفق الى هذه الأفكار ويدلي بها إلا بعد أن أصبح صاحب حلقة يدرس فيها..
فها هو ذا مالك بن أنس تجري به السنون لتعدو الأربعين، وقد لزم الفقهاء نحو ثلاثين عاما، فتلقى عنهم الأحاديث النبوية، ومحصها وحقق إسنادها وتدارس معهم ما ينبغي لاستنباط الأحكام التي تواجه قضايا لم تعرض من قبل، وتعلم منهم الكتاب والحكمة، وتفكر في خلق السموات والأرض وأحوال العباد، وتدارس معاملات الناس، فتكون له رأي خاص، واستقل بنظره في كل أمور الدنيا والآخرة اتبع في بعضه السنة وأفكار السلف الصالح وعمل أهل المدينة وأعرافها وعاداتها.
واستنبط الأحكام في بعضه الآخر بما يحقق المنفعة ويدرأ المفسدة.
جاء الوقت الذي ينبغي له فيه أن يجلس إلى أحد أعمدة الحرم النبوي، ويجعل له حلقة خاصة يفتي فيها للناس ويعلمهم مما علم رشدا ويطرح عليهم ما تكون له من فقه وما استقر عنده من تأويل الأحاديث.
وكان مالك قبل أن يجلس ليعلم الناس ويفتيهم، قد اختلف مع أستاذه ربيعة، فرأى مالك أن يستقل بحلقة، اقترحها عليه مشايعوه، غير أنه لم يفعلها من فوره بل طلب على سبعين من أصحاب الحلقات والشيوخ في المسجد النبوي، يعرض عليهم فقهه، ويستأذنهم في أن يجلس ليعلم الناس.
وأجازه له أستاذته لم يختلف على إجازته أحد، اختار المكان الذي كان يجلس فيه عمر بن الخطاب ليبستروح منه جلال الأيام الرائعة الماضية، حيث كان كل الصحابة يعيشون في المدينة المنورة.. أمسكهم فيها عمر لا يبرحونها إلا بإذنه، لكي يعلموا الناس، ولكي يستشيرهم إذا احتاج الأمر، ولكيلا يفتن بهم أهل الأقطار الأخرى من حديثي العهد بالإسلام.
وكان أنس بن مالك من قبل قد اختار سكنا له دار الصحابي عبد الله ابن مسعود، ليخفق منه القلب بنبضات عصر النبوة.. ذلك العصر المضيء بنور الإيمان والمعرفة والشوق المقدس العظيم الى صياغة عالم جديد من الطهارة والإخاء والنبل والعدالة والحرية والسكينة والنعيم..
ولقد أثث مالك بن أنس داره بأجمل أثاث، وزينها بأحسن زينة وملأ أجواءها بعرف البخور المعطر. ذلك أن الحياة أقبلت عليه.. فنال راتبا كبيرا من بيت المال، ثم توالت عليه هدايا الخلفاء فقد اقتنع الخلفاء برأيه في أن أهل العلم يجب ألا يشغلوا عنه بالسعي في طلب الرزق، بل يجب أن يكون لهم نصيب من بيت المال، فينالوا منه رواتب منتظمة كبيرة، كما ينال قواد الجيش الذين يقومون على حماية الأمة وسد الثغور... فنشر العلم سد للثغور الروحية أمام الجهل، والتوفير على نشر العلم جهاد. وإذن فينبغي أن يكون لكل من العالم وطالب العلم جزاء المجاهدين كل بقدر ما يكفيه.
إن العلماء ليحمون أرواح الناس وعقولهم من الضلال، فمن واجب ولي الأمر أن يوفر لهم من المال ما يكفل لهم الحياة الكريمة والمظهر اللائق الحسن كخير ما ينعم به الولاة والأمراء وحماة الثغور.
على أنه كان يغدق من راتبه ومما يتلقى من هدايا على الفقراء من طلاب العلم يعطيهم ما تيسر من المال ويطعمهم أشهى طعام.. وكان حفيا بمأكله يختار الأطايب من كل صنف وكان مولعا بالفاكهة وخاصة الموز ويقول عنه: «لا شيء أكثر شبها بثمرات أهل الجنة منه، لا تطلبه في شتاء ولا صيف إلا وجدته.. قال تعالى «أكلها دائم وظلها».
وكان يحض تلاميذه على الاهتمام بحسن التغذية، فالغذاء الجيد يبني الجسم السليم.. والعقل السليم في الجسم السليم. ومكابد العلم تحتاج الى عقول نشطة تصونها أجساد قوية..
وهكذا عاش منذ بدأ يجلس للإفتاء والتدريس: جسد قوي، وعقل نفاذ.. طعام حسن ومسكن جيد وثياب أنيقة بيضاء من خير ما تنتجه مصر وخراسان وعدن.
وألف الناس كلما دخلوا المسجد النبوي بعد صالة الفجر أن رجلا مهيبا طويلا فارعا أشقر، أبيض الوجه، اوسع العينين، أشم الأنف، كبير اللحية، مفتول الشارب، يتخذ مكانه في هدوء، ويتحدث في صوب عميق صادق مستندا الى عمود من حوله حلقة من تلاميذه، كأن على رؤوسهم الطير. فإذا دخل غريب وألقى السلام لم يرد عليه أحدا إلا همسا.. فإذا سأل ما هذا؟ قيل له في صوت خفيف: إنه الإمام مالك بن أنس.
فقد كان يفيض إذا تكلم، وينفذ بصدقه الى القلوب.. ولم يكن جهير الصوت، فكان تلاميذه يكادون يمسكون بأنفاسهم لكيلا يفوتهم حرف مما يقول.
وكان قد خصص أياما لشرح الأحاديث النبوية الشريفة، وأياما للمسائل والفتيا.. فإذا سأله أحد في أمر لم يقع ولكنه متوقع، قال له: «سل عما يكون ودع ما لا يكون».
ذلك أنه كان يرى أن كثرة الفروض مفسدة، وفيما يقع من الحوادث والقضايا الجديدة ما يكفي وما يغني عما هو متوقع..
وعندما تقدمت به السن، عقد حلقات الدرس في بيته الواسعة ذات الأثاث الفاخر.
ترك مجاملة الناس التي اشتهر بها، «ترك حضر الجنازات، فكأن يأتي أصحابها فيعزيهم، ثم ترك ذلك كله، فلم يكن يشهد الصلوات في المسجد ولا الجمعة، وكان إذا عوتب في ذلك قال: «ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بعذره».
ذلك أنه لم يفض لأحد بسر مرضه الذي أقعده عن المسجد والناس إلا فراش الموت وكان مرضه هو سلس البول. وعندما اشتد عليه المرض بعد أن جاوز الثمانين كره أن يخرج من داره.
وكان له في بيته مجلسان في السنوات الثماني الأخيرة من حياته: فقال أحد تلاميذه: «إنه كان عندما انتقل درسه الى بيته، إذا أتاه الناس تخرج لهم الجارية فتقول لهم: يقول لكم الشيخ أتريدون الحديث أم المسائل؟ فإن قالوا المسائل خرج إليهم فأفتاهم، وإن قالوا الحديث قال لهم أجلسوا، ودخل مغسله فاغتسل وتطيب، ولبس ثيابا جددا، ولبس ساجه (وهي غطاء للرأس كالتاج) وتعمم، فتلقى له المنصة. فيخرج اليم وقد لبس وتطيب وعليه الخشوع، ويوضع عود فلا يزال يبخر حتى يفرغ من حديث رسول الله(صلى الله عليه وسلم)».
ولكم كان حريصا على أن ينتقي الأحاديث.
وعلى الرغم من كثرة الأحاديث التي حفظها، فلم يكن يحدث بهن جميعا.. لقد قيل له إن أحد الفقهاء يحدث بأحاديث ليست عندك، فقال مالك: لو أني حدثت بكل ما عندي لكأني إذن لأحمق ثم أضاف: لقد خرجت مني أحاديث لوددت لو أني ضربت بكل حديث منها سوطا ولم أحدث بها. من أجل ذلك قال عنه تلميذه الشافعي: «إذا جاء الحديث فمالك النجم الثاقب».

dr_stars
12-31-2002, 01:38 AM
<center>
وبهذا الحرج في الحديث كان يتحرج في الفتوى.. فقلا يقول هذا حلال وهذا حرام إلا إذا كان هناك نص قطعي الدلالة.
وفيما عدا هذا يقول: أظن. ثم يعقب فتواه مستشهدا بالآية الكريمة: (إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين».
ولقد عاتبه بعض تلاميذه على تحرجه في الفتوى، فاستعبر وبكى وهو يقول: إني أخاف أن يكون لي منها يوم وأي يوم. وقال يوما لأحد تلاميذه: ليس في العلم شيء خفيف. أما سمعت قول الله تعالى: (إننا سنلقي عليك قولا ثقيلا).. فالعلم كله ثقيل وخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة.
ولقد عاتبه بعض الناس في عنايته الفائقة بأثاث البيت، وبملبسه ومأكله فقال: «أما البيت فهو نسب الإنسان. ثم إني لا أحب لامرئ أنعم الله عليه ألا يرى أثر نعمته عليه وخاصة أهل العلم». كان يرى في أن البيت الجيد راحة للنفس والبدن، وأن الطعام الجيد يعين على نشاط الذهن، وأن حسن الثياب يكسب المرء ثقة بالذات وإحساسا بالسعادة.
وهكذا عاش يستمتع بزينة الحياة الدنيا التي أحلها الله لعباده والطيبات من الرزق، نائيا بنفسه عن السياسة، راغبا عن مصاولة الحكام وإن كانوا ظالمين حتى لقد أفتى بوجوب الطاعة للحاكم حتى إن كان ظالما. ولا ينبغي الخروج عليه بالفتنة بل يسعى الى تغييره بالموعظة الحسنة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن ظلم ساعة خلال الفتنة شر من جور حاكم ظالم طيلة حياته. والحاكم الظالم يسلط الله عليه ما هو شر منه والله يرمي ظالما بظالم.
وعلى هذا سار أيام الأمويين، ثم في دولة العباسيين.. يحاول جهده أن يكون على الحياد.
ولكنه على الرغم من كل شيء لم يعش بمنجاة عن بطش الذين أفتى بوجوب طاعتهم من الحكام مهما يظلمون.
لم يهاجم الأمويين فأصابه منهم خير كثير ثم جاء العباسيون فزادوه من الخيرات.. وأصبح الإمام مالك رجلا غنيا، يعيش في دعة وسعة يمنح كل وقته للعلم. ذلك أنه لم يمدح عليا بن أبي طالب ولم يساند حقه في الخلافة.. وكان مدح علي هو ما يغيظ الخلفاء الأمويين العباسيين.
وآثر الحياد، وترك السياسة، وأشفق على نفسه وعلى أهل المدينة بما رأى في شبابه من مذابح من بعد ثورة الخوارج ونهضة الإمام زيد بن علي زين العابدين، على أن السياسة لم تتركه ولم ينفعه حياد.!.
ولهو يشرح في المسجد الحديث الشريف: ليس على مستكره يمين.. ويبين للناس أن من طلق مكرها لايقع منه طلاق، إذ بأحد أحفاد الحسن ابن علي وهو محمد النفس الزكية، يثور على الخليفة المنصور، لأنه أخذ البيعة لنفسه قسرا فبايعه الناس مستكرهين.
وإذ ببعض الناس في المدينة ينتقض بيعته لمنصور وينضم لمحمد النفس الزكية إعمالا لهذا الحديث وتطبيقا للسنة.
وأرسل والي المدينة إلى الإمام مالك أن يكف عن الكلام في هذا الحديث، وأن يكتمه عن الناس، لانه يحرضهم على الثورة ونقض البيعة.
ولكن الإمام مالك أبى أن يكتم هذا العلم، فكاتم العلم ملعون. وظل يفسر الحديث غير آبه بتهديد والي المدينة، وأطلق الحكم الذي جاء به الحديث على كل صور الإكراه في المعاملات والحياة.
فأمر والي المدينة رجاله فضربوا مالكا أسواطا، ثم جذبوه جذبا غليظا من يده، وجروه منها فانخلع كتفه.. ثم أعادوه الى داره وألزموه الإقامة بها. لا يخرج منها حتى للصلاة ولا يلقى فيها أحدا.
وفزع الناس في المدينة الى الله يشكون الظالم، وثار سخطهم على الوالي والخليفة نفسه وغضب الفقهاء والعلماء من كل الأمصار والأقطار. فهاهو ذا عالم يلتزم الحياد، ينأى بنفسه عن السياسة ودوران دولاتها، ويعكف على العلم ويشرح للناس حديثا نبويا صحيحا، ويبصرهم بأحكام هذا الحديث فإذا بالدولة بكل قوتها تبطش به، وهو عالم لا يملك إلا قوة العلم وما يستطيع بعد كتمان هذا العلم؟..
وأخذ الناس يلعنون والي المدينة والخليفة المنصور الذي ولاه.. ويتهمون الخليفة نفسه.
وقمع المنصور ثورة النفس الزكية، وقتله هو وآله بيته وصحبه وأتباعه شر قتلة ومثل بأجسادهم.. واستقر له الأمر.
فاستقدم الخليفة المنصور مالكا ليسترضيه ولكن مالكا لم يقم ولم يبرح محبسه في منزله.
فأمر المنصور والي المدينة فأطلق سراح مالك.. ثم جاء المنصور بنفسه من العراق إلى الحجاز في موسم الحج، واستقبل الإمام مالك بن أنس. وقال الخليفة معتذرا: «أنا أمرت بالذي كان ولا عملته. إنه لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم، وإني أخالك أمانا لهم من عذاب، ولقد رفع الله بك عنهم سطوة عظيمة فإنهم أسرع الناس الى الفتن».
ثم أضاف الخليفة أنه استحضر والي المدينة مهانا وحبسه في ضيق، وأمر الإيغال في إهانته، وأن ينزل به من العقوبة أضعاف ما نال منها الإمام مالك بن أنس.
فقال الإمام مالك: «عافى الله أمير المؤمنين وأكرم مثواه فقد عفوت عنه لقرابته من رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ومنك.» قال الخليفة المنصور: «فعفا الله عنك ووصلك.. ووهبه المنصور مالا كثيرا وهدايا ثمينة ثم أضاف:
«إن رابك ريب من عامل (الولي) المدينة أو مكة أو عمال (اي ولاة) الحجاز في ذاتك أو ذات غيرك، أو سواء أو شر بالرعية فاكتب إلي أنزل بهم ما يستحقونه.»
على أن الإمام مالك بن أنس لم يكتب الى الخليفة، على الرغم مما سمع وعاين من شر بالرعية في جميع أنحاء الحجاز، بل اكتفى بتوجيه النصح والموعظة الحسنة إلى هؤلاء الولاة.
على أن الخليفة المنصور لم يترك الحجاز حتى طلب من الإمام مالك أن يضع كتابا يتضمن أحاديث الرسول وأقضية الصحابة وآثارهم، ليكون قانونا تطبقه الدولة في كل أقطارها بدلا من ترك الأمر لخلافات المجتهدين والقضاة والفقهاء.. وكان ابن المقفع الكاتب قد أشار على الخليفة من قبل بإصلاح القضاء وتوحيد القانون في كل أرجاء الدولة..
قال المنصور للإمام مالك: «ضع للناس كتابا أحملهم عليه» فحاول مالك أن يعتذر عن المهمة ولكن المنصور ألح: «ضعه فما أحد اليوم أعلم منك» فقال مالك: «إن الناس تفرقوا في البلاد فأفتى كل مصر «أي قطر» بما رأى فلأهل المدينة قول، ولأهل العراق قول تعدوا فيه طورهم». فقال الخليفة المنصور: «أما أهل العراق فلا أقبل منهم، فالعلم علم أهل المدينة» فقال مالك: «إن أهل العراق لا يرضون علمنا» فقال المنصور: «يضرب عليه عامتهم بالسيف وتقطع عليه ظهورهم بالسياط».
واقتنع مالك برأي الخليفة، لأنه هو نفسك كان فكر من قبل، أن يجمع الأحاديث النبوية في كتاب يضم مع الأحاديث آثار الصحابة، ليجتمع المجتهدون والفقهاء والقضاة على رأي واحد وانقطع الإمام عاكفا على إعداد الكتاب وأخذ يكتب وينقح ويحذف أضعاف ما يثبت، وينقح ما يثبت وأسمى كتابه الموطأ.
والموطأ لغة هو المنقح.
ولبث ينقح في الكتاب سنين عددا، وخلال تلك السنين أخرج منافسوه من علماء المدينة كتبا كثيرة في الأحاديث وآثار الصحابة أسموها الموطآت، وسبقوه بها.. فقيل لمالك: شغلت نفسك بعمل هذا الكتاب وقد شرك فيه الناس وعملوا أمثاله، وأخرجوا ما عملوا فقال: «ائتوني بما عملوا.. فأتوا بها فلما فرغ من النظر فيها قال: «لا يرتفع إلا ما أريد به وجده الله» أما تلك الكتب فكأنما القيت في الآبار وما يسمع بشيء منها يذكر بعد ذلك..
وفي الحق أن شيئا من تلك الكتب لم يذكر بعد، وكأنما ألقيت في الآبار..
أما كتاب الموطأ فقد أنجزه مالك بعد أن قضى المنصور وجاء بعده خليفة وخليفة ثم جاء هارون الرشيد فأراد أن يعلق كتاب الموطأ في الكعبة ولكن الإمام مالك بن أنس أبى.
والإمام مالك بن أنس من أفقه الناس بالحديث وآثار الصحابة.. والرأي عنده سنة فقد وعى عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) قوله: أنا أقضي بينكم بالرأي فيما لم ينزل فيه وحي.. ونقل الإمام مالك عن الرسول عليه السلام أنه كان يشاور أصحابه ويأخذ برأيهم.. ونقل من آرائه أن قبلة الصائم لا تفطر، فقد سألت زوجه أم المؤمنين أم سلمة عن قبلة الصائم فقال لها هل أخبرت أني أقبل وأنا صائم؟.. وحفظ الإمام مالك من آراء الرسول (صلى الله عليه وسلم) «أنه ذهب إليه رجل ينكر ولده لأن امرأته جاءت به أسود والأب أبيض والأم بيضاء، فقال له الرسول عليه السلام: هل لك إبل؟ قال: نعم. قال فما ألوانها؟ قال: «حمر» فسأله عما إن كان فيها «رمادي» فقال الرجل: نعم. فسأله الرسول (صلى الله عليه سلم): من أين؟: فقال الرجل: لعله نزعة عرق. فقال الرسول عليه السلام وهذا لعله نزعة عرق».
وعى مالك هذا الإجتهاد من الرسول، ووعى صورا عربية أخرى من أخذه بمشورة الصحابة فيما لم ينزل فيه وحي، فاجتهد هو الآخر معتمدا على حسن الفقه بالقرآن الكريم، وعمق العلم بالناسخ والمنسوخ، ودلالات النصوص ظاهرها وخفيها، وأسرار الأحكام في القرآن، وحسن معرفة الأحاديث وآثار الصحابة..
وقد عرف كل آثار الصحابة إلا فقه الإمام علي بن أبي طالب، إذ صادره الأمويون وحجبوه، وطارده العباسيون.. غير أن ذلك الفقه كان في حدود آل البيت وشيعتهم، وفي تكب يتداولونها خفية.
ولقد أتيح للإمام مالك أن يعرف جعفر الصادق معرفة صداقة وتدارس معا.. وعمل كل واحد منهما تقديرا عظيما لصاحبه.
وفي الحق أن الإمام مالك قد أفاد من صحبة الإمام جعفر الصادق ـ وأخذ عنه الاعتماد على العقل فيما لم يرد فيه نص ـ غير أنه أسماه بالاستحسان أو المصلحة المرسلة ـ فقضى بما يحقق مقاصد الشريعة من توفير المصلحة وجلب النفع ودفع الضرر.. واعتبر المصلحة العامة فوق المصلحة الخاصة، ووازن بين المصالح وما أولاها بالرعية لتكون هي مناط الحكم.
وكما أعطى أعمال العقل لفقه الإمام الصادق ثراء وتجددا، فقد أثرى الفقه المالكي باعتماد المصلحة أساسا للحكم حيث لا نص..
ويقول الإمام مالك من علاقته بالإمام جعفر الصادق: «كنت آتي جعفر ابن محمد، وكان كثير المزاح والتبسم فإذا ذكر عنده النبي (صلى الله عليه وسلم) أخضر واصفر. ولقد اختلفت إليه زمانا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصليا وإما صائما وإما يقرأ القرآن، وما رأيته قط يحدث عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلا على الطهارة ولا يتكلم فيما لا يعنيه. وكان من العلماء الزهاد العباد الذين يخشون الله. وما رأيته قط إلا يخرج الوسادة من تحته ويجعلها تحتي».
أفاد الإمام مالك من صحبة الإمام جعفر وأخذ عنه كثيرا من طرق استنباط الحكم ووجوه الرأي وأخذ عنه بعض الأحكام في المعاملات، وأخذ الإعتماد على شاهد دون شاهدين، إذا حلف المدعي اليمين وكما أخذ من الإمام الصادق جعفر بن محمد أخذ من أبيه الإمام محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن ابي طالب.
لزم مالك مجلس الإمام محمد الباقر وابنه الإمام جعفر وتعلم منهما على الرغم من أن رأيه في الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لا يرضي آل البيت وشيعتهم.. فقد فضل عليه أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان ابن عفان رضي الله عنهم وجعل الإمام عليا كرم الله وجهه ورضي الله انه كسائر الصحابة..
ولئن أغضب هذا الرأي آل البيت والشيعة جميعا، إنه ليرضي الخلفاء الأمويين الذين أنكروا حق علي ونازعوه الخلافة واغتصبوها منه، وذبحوا الحسين وآله في كربلاء، وذبحوا كل من ثار من آل البيت كزيد بن علي ابن الحسين.. أفي هذا الرأي يرضي الخلفاء الأمويين كما أرضى من بعدهم الخلفاء العباسيين الذي رأوا أن الخلافة تحق لبني العباس عم النبي (صلى الله عليه وسلم) ولا تحق لبني علي وفاطمة.. وأغروا أحد الشعراء بأن يقول إن بني البنات (يعنون فاطمة الزهراء رضي الله عنها) لا يرثن بل يرث الأعمام (يعنون العباس):
أنى يكون وليس ذاك بكائن لبني البنات وراثة الأعمام
وقد كان رأي مالك بن أنس حريا بأن يعطف عليه قلوب الخلفاء الأمويين والعباسيين وهذا ما كان.
غير أن الإمام مالك بن أنس لم ينافق الخلفاء، وإذا كان لم يجهر بالإحتجاج على مظالمهم، فقد اختار أن يوجه إليهم الموعظة الحسنة كلما اقتضى ـ كلما لقيهم في موسم الحج أو في زيارة الحرم النبوي.. وأنكر عليه أحد تلاميذه أنه يتصل بالأمراء وبالخلفاء لأنهم ظالمون وما ينبغي أن يتصل بهم رجل صالح كالإمام مالك بن أنس.. فرد مالك: «حق على كل مسلم أو رجل جعل الله في صدره شيئا من العلم والفقه أن يدخل على ذي سلطان يأمره بالخير وينهاه عن الشر» وربما يستشير السلطان من لا ينبغي فخير أن يدخل عليه العلماء الصالحون.
وعندما ألح عليه تلاميذه في إنكار علاقاته بالخلفاء والأمراء قال: «لولا أني آتيتهم ما رأيت للنبي (صلى الله عليه وسلم) في هذه المدنية سنة معمولا بها».
وفي الحق أنه كان يعظهم أحسن موعظة، الموعظة الحسنة لأولي الأمر خير من الثورة عليهم واشتعال الفتنة التي لا تصيب الذين ظلموا خاصة فقد تلتهم الظالمين والضحايا والأبرياء جميعا.
كان مالك.. يسر النصيحة إلى ولي الأمر بحيث لا يحرجه أمام الرعية ويصوغها بحيث تقع موقعا حسنا.
رأى أحدهم يذهب الى الحج في موكب فخيم وسوف الترف باد عليه فقال له: «كان عمر بن الخطاب على فضله ينفخ النار تحت القدر حتى يخرج الدخان من لحيته وقد رضي الناس منك بدون هذا».
وقال لآخر: «افتقد أمور الرعية، فإنك مسؤول عنهم، فإن عمر ابن الخطاب قال والذي نفسي بيده لو هلك جمل بشاطئ الفرات ضياعا لظننت أن الله يسألني عنه يوم القيامة».
وكتب لخليفة آخر: «إحذر يوما لا ينجيك فيه إلا عملك وليكن لك أسوة بمن قد مضى من سلفك، وعليك بتقوى الله».
وكان أحد الولاة يزور الإمام مالك بن أنس في بيته، ويسأله النصيحة.. فأثنى على الوالي بعض الحاضرين، فغضب مالك، وكان بعيد الغضب، وصاح في الوالي ـ وقلما كان يصيح ـ: «إياك أن يغرك هؤلاء بثنائهم عليك، فإن من أثنى وقال فيك من الخير ما ليس فيك، أوشك أن يقول فيك من الشر ما ليس فيك.. إنك أنت أعرف بنفسك منهم.. ولقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أحثوا التراب في وجوه المداحين».
وكان عليه الصلاة والسلام يعظ صحابته: إن كثرة المدح تضيع الممدوح.
عندما بلغ مالك من الكبر عتيا كانت شهرته طبقت الآفاق حقا، وكان يلزم بيته في السنوات الأخيرة لا يخرج إلا نادرا واضطر الى أن يتخذ له حاجبا ينظم دخول الناس كما يصنع الخلفاء، وقد اتخذ له بيتا آخر واسعا غير دار ابن مسعود فيه عدد من الجاري الحسان والخدم.
وكان يحرجه أن يرفض استقبال أحد، وله أصدقاء كثر. واستخلص العبرة من كل حياته الماضية وأفضى بنصيحة الى أحد تلاميذه ليبثها في الناس من بعده: «إياكم ورق الأحرار».
سأله تلميذه: «وما رق الأحرار؟» قال الإمام مالك «كثرة الإخوان.. فإن كنت قاضيا ظلمت أو اتهمت بالظلم، وإن كنت عالما ضاع وقتك».
وكان مالك يشكو كثرة الأصدقاء، إذ لا حيلة له معهم، فلا هو يستطيع أن يردهم عنه، ولا هم يتركونه يعمل أو يعتكف في داره للعلم كما ينبغي له..
ومهما يكن من أمر فقد أغنى مالك الفقه الإسلامي برأيه في المصلحة وجعلها مناط الأحكام وأساسه فيما لم يرد فيه نص ملزم بالإباحة أو المنع، وفي أخذه بالذرائع فما يؤدي إلى الحلال حلال، وما يؤدي إلى الحرام حرام.. فأنت حر في ملكك لكنك في حريتك يجب ألا تضر غيرك فإذا حفرت بئرا خلف بابك يؤدي الى سقوط الداخل إليك وهلاكه فهذا حرام.. لأن حفر البئر ذريعة لاهلاك الغير فهو ممتنع. والبيع بأقساط ترفع الثمن الأصلي الذي تدفعه معجلا ذريعة الى الربا فهو حرام ويجب على ولي الأمر منعه. فالأقساط يجب أن تكون ذريعة للتيسير على المشتري لا ذريعة لقهر على اقتراف الربا، وحمله على دفع ثمن أكبر.
وبهذا النظر حرم الإحتكار لأنه يحقق مصلحة لفرد أو لأفراد ويجلب الضرر على الآخرين..
فالمحتكر يغالي في السعر كيفما شاء، وعامة الناس مضطرون الى قبول ما يفرضه وفي هذا ضرر بهم كبير والمحتكر ملعون، بنص الحديث الشريف.
ومن أخذ الإمام مالك في فتاواه وآرائه بالقرآن والسنة والإجماع وعمل أهل السنة ورعاية المصالح أفتى بأمور كثيرة خالفه فيها بعض العلماء والفقهاء والمجتهدين.
فقد أفتى مالك بحق الزوجة في الطلاق إذا لم ينفق عليها زوجها، أو إذا ظهر لها عي بفيه لم تكن تعرفه وقت العقد.. عيب أي عيب جسديا كان أم حقيقيا..
وأفتى أن ديون الله ـ كالزكاة ونحوها وما يمكن أن نسميه بالضرائب في أيامنا هذه ـ لا تؤخذ من التركة إذا اعترف المورث بها قبل وفاته.. وحتى إذا ثبتت هذه الديون بأي طريق آخر من طريق الإثبات، فديون العباد مقدمة عليها.. لأن العباد «والأفراد» يضارون بعدم دفع ديونهم أكثر من الدولة.. أما عن ديون الله كالزكاة فالله غفور رحيم.
وأفتى بأن الحمل قد يستمر في بطن أمه ثلاث سنوات. ولقد سخر منه بعض خصومه وزعموا أنه يشجع على الفساد نساء غير صالحات من المطلقات أو ممن يغيب أو يموت عنهن الأزواج.
وأفتى بأن من يبني جدارا في ملكه ليمنع الشمس والهواء عن جاره، معتد آثم يجب هدم جداره، وإن زعم أنه يقصد حماية أهل بيته من أعين الجيران.
وأفتى بعدم جواز صيام ستة من شوال (وهي ما نسميه بستة الأيام البيض). ورفض الإعتراف بالحديث الخاص بهذا الصيام وأنكره..
وصيام ستة أيام من شوال، يؤدي الى زيادة رمضان.
وهذا الإمتناع عن صيام ستة من شوال هو ما يعمل به أهل المدينة.. سنة عن الرسول أخذوها آلاف عن آلاف أولى بالإتباع من حديث نقله آحاد عن آحاد.
وأفتى مالك بوجوب وضع ضوابط لحق الرجل في الطلاق وفي الزواج بأكثر من واحدة بحيث لا تضار الزوجة أو الأولاد، وبحيث تكون مصلحة الأسرة هي العلة والأساس والأجدر بالرعية.
وأفتى مالك بأن الأعراف والعادات يجب أحترامها في استنباط الأحكام ما لم تتعارض مع نص صريح قطعي الدلالة.
وأفتى بأن المحظور يجوز أن يقترف لأن فيه دفعا لمضرة أكبر..
إنه ليرى الشريعة مبنية على جلب المنافع والبعد عما يكون طريق الى المفاسد.. فكل وسيلة من وسائل العمل يجب أن ينظر الى نتائجها فإن كانت النتيجة مصلحة فالعمل مباح وإن كانت فسادا وجب منع هذا العمل.
ولقد ذاع فقه مالك في كل الأمصار والأقطار، وكان في هذا الفقه ما حمل له عناصر التجديد كالأخذ بمراعاة تحقيق المصلحة إن لم يوجد نص يبيح أو يمنع، وهو نظر أخذه من فقه الإمام جعفر الصادق بإعماله العقل في استنباط الحكم حيث لا يكون نص، وحكم العقل، يقضي بالبحث عما يجلب المنفعة ويبعد الضرر تحقيقا لمقاصد الشريعة.
وقد نما فقه مالك واتبعه وأغناه كثير من المفكرين والمجتهدين والفقهاء من بعده منهم فيلسوف الأندلس ابن رشد..
غير أن بعض معاصري مالك عارضوه معارضة عنيفة وخالفه ونقده بعض أصحابه منهم الليث بن سعد فقيه مصر، وتلميذه الشافعي..
ولقد أرسل إليه صاحبه الليث بن سعد رسالة طويلة ذكره فيها بأن عمل المدينة لم يعد سنة بعد ولا يمكن أتباعه بعد عصر الرسول والخلفاء الراشدين فالصحابة خرجوا من المدينة بعد مقتل عمر، وتفرقوا في الأمصار، وبثاو فيها فقههم..
لقد كان أوائل أهل المدينة في زمن الرسول عليه السلام هو خير الأوائل أما أواخرهم في زمن مالك، فلم يعودوا كذلك بعد.. ولم ينس الإمام الليث ابن سعد فقيه مصر أن يسأل صاحبه الإمام مالك بن أنس إن كان في حاجة الى مال!
ومهما يكن من أمر الخلاف بين مالك وتلاميذه، فقد عاش مذهب الإمام مالك وتجدد حتى لقد أخذت قوانين الأحوال الشخصية في مصر منذ مطلع هذا القرن الميلادي حتى القوانين الأخيرة 1979 ميلادية من هذا المذهب.
على أن الذين خالفوا الإمام مالك بن أنس من صحبه وتلاميذه كانوا يحملون له كل الإجلال والتقدير والإحترام.
قال عنه تلميذه الشافعي: «إذا ذكر الحديث فمالك هو النجم الثاقب».
أما صاحبه الليث بن سعد الذي صاحبه عمرا طويلا، وراسله، ووصله بالمال والهدايا، واختلف معه آخر الأمر، فقد قال عنه أثناء الخلاف وعلى الرغم من الخلاف: «مالك وعاء العلم.»
المصدر: عبد الرحمن الشرقاوي ـ أئمة الفقه التسعة ـ العصر الحديث للنشر والتوزيع 1985

dr_stars
01-06-2003, 06:48 PM
<center>


الحمد الله والصلاه والسلام على اشرف خلق الله سيدنا محمد ابن عبد الله وعلى اله الكرام وصحبه الابرار وبعد
انني ساتوقف عن سرد قصه الامام الشافعي واحمد بن حنبل الى حين وذلك لانها طويله كسيره الامام ابو حنيفه وانس بن مالك حيث انني كلما حاولت الاختصار لم اقدر
ومن ثم ساروي لكم قصتي هذان الامامان لاحقا حتى لاتشعروا بالملل اما في الايام القادمه فساقدم تعريفات مختصره عن ائمه اخرين ودعاه الى الله بطريقه مختصره فارجو ان تنال رضاكم
ودمتم سالمين وتقبل الله منا ومنكم صالح الاعمال انه على كل شئ قدير

شاعر الاسلام الداعيه الى الله محمد اقبال غفر الله له ورحمه

* ولد الدكتور محمد إقبال سنة 1876م في الهند من أسرة براهمية الأصل اعتنقت الإسلام منذ ثلاثة قرون، درس الفلسفة في كلية لاهور وكان نابغاً في دراسته، وقال الشعر في سن مبكرة، وكان ينطق بالحكمة الإسلامية.

أرشد براهمة الهنود ليرفعوا
الإسلام فوق هياكل الأوثان
ان كان لي نغم الهنود ولحنهم
لكن هذا الصوت من عدنان

في سنة 1905م سافر إلى جامعة كيمبردج في بريطانيا، ثم إلى ميونيخ في ألمانيا ونال درجة الدكتوراه في الفلسفة، وقد استغل زمن اقامته في أوروبا فصار داعية إسلامية، مظهراً مزايا الإسلام, وألقى العديد من المحاضرات في انجلترا عن الإسلام وعظمته، وكتب قصائد اسلامية رائعة.

قد كان هذا الكون قبل وجودنا
روضاً وأزهاراً بغير شميم
لما أطل محمداً زكت الربى
وأخضر في البستان كل هشيم
هل أعلن التوحيد داع قبلنا
وهدى الشعوب إليك والأنظار

وقد سأل إقبال عن سر بلاغته في كشف أسرار الدين بأساليب لم يصل إليها أهل الفقه والتوحيد فقال: يرجع الفضل لأبي، فقد اعتاد أن يسألني كل صباح حين يراني منكباً أقرأ القرآن، ماذا تصنع؟ فأجيبه: أقرأ القرآن، وظل على ذلك ثلاث سنين يسأل نفس السؤال وأجيب نفس الجواب حتى كان يوماً فقلت له: ولكن لماذا تسألني عن شيء أنت أعلم بجوابه؟ فقال: إنما أردت أن أقول لك اقرأ القرآن وتعمق به واستغرق في معانيه وليست قراءة معتادة فقط، ومنذ ذلك اليوم بدأت أتفهم القرآن وأُقبل على معانيه.
وكان اقبال ينشد الشعر بالفارسية والأوردية في المحافل الدولية والأدبية والدينية،وأشعاره تحاول ايقاظ الشعور في قلوب المسلمين في كل مكان.

رحماك رب هل بغير جباهنا
عرف السجود ببيتك المعمور
كانت شفاف قلوبنا لك مصحفاً
يحوي جلال كتابك المسطور

وقد وافته المنية وهو ينظم كتابه أرمضان حجاز وقد طُبع بعد وفاته وقبل أن يودع الدنيا بعشر دقائق قال بيتين من الشعر:

نفحات مضين لي هل تعود
ونسيم من الحجاز سعيد
اذنت عيشتي بوشك الرحيل
هل لعلم الأسرار قلب جديد

وكان يتمنى ان تترجم اشعاره إلى اللغة العربية حتى يفهم العالم الإسلامي أسرار قلبه كما يقول، لقد عاش اقبال حياته باحثاً في أصول الدين متفهماً فلسفة الإسلام، ينظم أفكاره أشعاراً يدرسها لطلبة الكليات والمدارس الذين تعلقوا به كثيراً.

إذا الايمان ضاع فلا أمان
ولا ديناً لمن لم يحيي دينا
ومن رضي الحياة بغير دين
فقد جعل الفناء له قرينا

ومع ما كان عليه اقبال من استمساك باهداب الفضيلة واتباع لمبادئ الدين فلم يخل تاريخه من حساد تقولوا عليه للتقليل من شأن موهبته وابداعه، وكانت العقارب من بني جنسه تدب له لعرقلة خطواته، وكان اقبال يصف الإسلام بأنه دين السماحة وأنه اي الإسلام وضع النواميس والحدود, وتناول اقبال أحوال العالم كله وضمنها آراءه حول القوة,, هل هي قوة الفرد، أو الجماعة، أو قوة الأخلاق، وكان هدفه تهذيب الإنسانية بالكشف عن أسرار الإسلام، ومجد المسلمين الأولين، محاولاً أن يثير في أبناء الجيل قوة وحماساً ليتوجهوا إلى شرف الدنيا والآخرة وقال في هذا المعنى:

مجدك في حمى الإسلام باق
بقاء الشمس والسبع الشداد
ضياؤك مشرق في كل أرض
لأنك غير محدود المكان

وكان اقبال دائماً يوضح المفاضلة بين دين الإسلام وما عليه الاقوام الآخرون وقد سأله زملاؤه في جامعة كيمبردج في بريطانيا,, لماذا يُبعث الأنبياء ومؤسسو الأديان في آسيا دون أوروبا؟ فأجاب: لأن العالم مقسم بين الله والشيطان، ولما كانت آسيا من نصيب الله، كانت أوروبا من نصيب الشيطان ، فقالوا: قد عرفنا رسل الله فأين هم رسل الشيطان؟ فأجاب من فوره: انهم اليهود زعماء المكر والخداع , وكان اليهود وقتها مسيطرين على الاقتصاد الأوروبي تماماً.
وقد ذهب اقبال لزيارة إيطاليا وقابل الزعيم موسوليني في روما فقال له الدوتشي: انني أعجبت بما وصل إليَّ من أشعارك, فتحدث معه محمد اقبال عن الإسلام والمسلمين وعن انتشار الإسلام في الكثير من الدول الأوروبية، وعلل ذلك بفضل القبائل العربية التي كانت ما تزال تحتفظ ببداوتها القوية وفطرتها السليمة، كان اقبال متأثراً ومتصلاً بروح الإسلام مما أكسبه بصيرة نافذة ويؤكد بان الاسلام حقيقة عالمية يحتوي على مثل عليا واهداف عملية وأنظمة سياسية وأن هناك الكثير من الممالك والدول مدينة لقيامها للاسلام الذي دعاها إلى الاخاء الديني والترابط الاجتماعي والعدالة، وهي ليست مجرد نصح وترغيب بل هي خطط وقواعد تكفلت برعايتها التشريعات الحكيمة من نصوص الدين الحنيف,وان الاسلام يقرر ان الانسان وحدة كاملة دون فصل بين المادة والروح.
وكان اقبال يقول رحمه الله: ان المسلم لا وطن له، ولا مكان ولن يفنى مسلم بفناء الأزمنة والأوطان، لقد تعرضت الأوطان الإسلامية لهجمات وحشية من التتار والبلقان وغيرهم، وكان ذلك امتحان لذاتية المسلم، وبقى المسلم والمسلمون في كل بقاع الأرض خالدين ومنتشرين أبداً بقدرة الله سبحانه.

رحم الله محمد اقبال وغفر له ولوالديه وغفر لنا ولكم كذلك
وساقوم ان شاء المولى بوضع قصيدته التي مدح فيها الزهراء رضي الله عنها في وقت لاحق
سبحان ربك رب العزه عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد الله رب العالمين



:12: :12: :12:

dr_stars
01-08-2003, 08:29 PM
<center>

الحمد الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم وبعد
نستانف اليوم الابحار في سيره احد التابعين الاوائل الذي كانت اقواله وافعاله حكم على مر الزمان وكيف لا وقد تربى في مدرسه الامام علي بن ابي طالب رضي الله عنه وارضاه وهذا الامام الكبير الذي تربى في بيت النبوه وهو احد اركانها وقواعدها فاليكم مختصر تعريفي بهذا الامام وهو الحسن البصري رضي الله عنه وارضاه وجزاه عن الاسلام خيرا وعن المسلمين
التابعى الجليل
وصف بأنه من كان من سادات التابعين وكبرائهم، وجمع كل فن من علم وزهد وورع وعبادة ومن القلائل الذين أجرى الله الحكمة على ألسنتهم فكان كلامه حكمة وبلاغة إنه التابعي الجليل الحسن البصري.


نسبه ونشأته
هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، ولد الحسن في أواخر خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالمدينة، وأبوه مولى زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه وأمه خيرة مولاة أم سلمة زوج النبي وكانت أمه ربما غابت في حاجة فيبكي فتعطيه أم سلمة رضي الله عنها ثديها تعلله به إلى أن تجيء أمه فدر عليه ثديها فشربه فيرون أن تلك الحكمة والفصاحة من بركة ذلك.
ونشأ الحسن بوادي القرى وكان من أجمل أهل البصرة حتى سقط عن دابته فحدث بأنفه ما حدث.
وحكى الأصمعي عن أبيه قال ما رأيت أعرض زندا من الحسن كان عرضه شبرا. وقال أبو عمرو بن العلاء ما رأيت أفصح من الحسن البصري ومن الحجاج ابن يوسف الثقفي فقيل له فأيهما كان أفصح قال الحسن.


مواقف من حياته
كان الحسن يقص (يحكى القصص) في الحج فمر به علي بن الحسين فقال له يا شيخ أترضى نفسك للموت قال لا قال فلله في أرضه معاد غير هذا البيت قال لا قال فثم دار للعمل غير هذه الدار قال لا قال فعملك للحساب قال لا قال فلم تشغل الناس عن طواف البيت قال: فما قص الحسن بعدها.
***
وقيل إن رجلا أتى الحسن فقال يا أبا سعيد إني حلفت بالطلاق أن الحجاج في النار فما تقول أقيم مع امرأتي أم أعتزلها فقال له قد كان الحجاج فاجرا فاسقا وما أدري ما أقول لك إن رحمة الله وسعت كل شيء وإن الرجل أتى محمد بن سيرين فأخبره بما حلف فرد عليه شبيها بما قاله الحسن وإنه أتى عمرو بن عبيد فقال له أقم مع زوجتك فإن الله تعالى إن غفر للحجاج لم يضرك الزنا ذكر ذلك.
***
وكان في جنازة وفيها نوائح ومعه رجل فهم الرجل بالرجوع فقال له الحسن يا أخي إن كنت كلما رأيت قبيحا تركت له حسنا أسرع ذلك في دينك
****
وقيل له ألا ترى كثرة الوباء فقال أنفق ممسك وأقلع مذنب واتعظ جاحد.
****
ونظر إلى جنازة قد ازدحم الناس عليها فقال ما لكم تزدحمون ها تلك هي ساريته في المسجد اقعدوا تحتها حتى تكونوا مثله.
***
وحدث الحسن بحديث فقال له رجل يا أبا سعيد عن من فقال وما تصنع بعن من أما أنت فقد نالتك موعظته وقامت عليك حجته.
***
وقال لفرقد بن يعقوب بلغني أنك لا تأكل الفالوذج فقال يا أبا سعيد أخاف ألا أؤدي شكره قال الحسن يا لكع هل تقدر تؤدي شكر الماء البارد الذي تشربه.
***
وقيل للحسن إن فلانا اغتابك فبعث إليه طبق حلوى وقال بلغني أنك أهديت إلي حسناتك فكافأتك بهذا
***
ولما ولي عمر بن هبيرة الفزاري العراق وأضيفت إليه خراسان وذلك في أيام يزيد بن عبد الملك استدعى الحسن البصري ومحمد بن سيرين والشعبي وذلك في سنة ثلاث ومائة فقال لهم إن يزيد خليفة الله استخلفه على عباده وأخذ عليهم الميثاق بطاعته وأخذ عهدنا بالسمع والطاعة وقد ولاني ما ترون فيكتب إلي بالأمر من أمره فأنفذ ذلك الأمر فما ترون؟! فقال ابن سيرين والشعبي قولا فيه تقية فقال ابن هبيرة ما تقول يا حسن فقال يا ابن هبيرة خف الله في يزيد ولا تخف يزيد في الله إن الله يمنعك من يزيد وإن يزيد لا يمنعك من الله وأوشك أن يبعث إليك ملكا فيزيلك عن سريرك، ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك ثم لا ينجيك إلا عملك يا ابن هبيرة إن تعص الله فإنما جعل الله هذا السلطان ناصرا لدين الله وعباده فلا تركبن دين الله وعباده بسلطان الله فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فأجازهم ابن هبيرة وأضعف جائزة الحسن فقال الشعبي لابن سيرين سفسفنا له فسفسف لنا.


من كلماته
ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه إلا الموت.
ورأى الحسن يوما رجلا وسيما حسن الهيئة فسأل عنه فقيل إنه يسخر للملوك ويحبونه فقال لله أبوه ما رأيت أحدا طلب الدنيا بما يشبهها إلا هذا.


وفاته
وتوفي بالبصرة مستهل رجب سنة عشر ومائة رضي الله عنه وكانت جنازته مشهودة قال حميد الطويل توفي الحسن عشية الخميس وأصبحنا يوم الجمعة ففرغنا من أمره وحملناه بعد صلاة الجمعة ودفناه فتبع الناس كلهم جنازته واشتغلوا به فلم تقم صلاة العصر بالجامع ولا أعلم أنها تركت منذ كان الإسلام إلا يومئذ لأنهم تبعوا كلهم الجنازة حتى لم يبق بالمسجد من يصلي العصر وأغمي على الحسن عند موته ثم أفاق فقال لقد نبهتموني من جنات وعيون ومقام كريم.
وقال رجل قبل موت الحسن لابن سيرين رأيت كأن طائرا أخذ أحسن حصاة بالمسجد فقال إن صدقت رؤياك مات الحسن فلم يكن إلا قليلا حتى مات الحسن.

رحم الله الحسن البصري والحقنا به وبسادتنا الصحابه رضوان الله عليهم اجميعن في زمره سيد المرسلين وامام الصالحين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى اله وصحبه اجمعين
سبحان ربك رب العزه عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد الله رب العالمين